في الوقت الذي كانت فيه قرية الملاك التابعة لمركز أبو حماد بمحافظة الشرقية تعيش على وقع واحدة من أكثر اللحظات قسوة، بعد فقدان عدد من أبنائها وأقاربها في حادث الإسماعيلية المأساوي، ظهرت صورة أخرى من صور التكاتف التي اعتاد عليها أهالي الريف المصري.
فمع بداية استقبال المعزين في سرادق العزاء الجماعي، خرجت سيدات وفتيات القرية من منازلهن وهن يحملن صواني الطعام، متوجهات بها إلى سرادق العزاء المقام على مساحة فدان، لتقديم الطعام للمعزين ومساندة أسر الضحايا في الساعات التي لم تكن فيها العائلات قادرة على التفكير في تفاصيل الحياة اليومية.
لم يكن المشهد مجرد توزيع للوجبات، لكنه كان تعبيرًا صادقًا عن مشاعر المشاركة في الحزن، وكأن الفاجعة لم تصب أسرة بعينها، وإنما مست كل بيت في القرية.
الطعام لأسر الضحايا قبل المعزين
مروءة سيدات قرية الملاك لم تتوقف عند سرادق العزاء، إذ حرصت كثيرات منهن على إعداد وجبات وإرسالها إلى منازل أسر الضحايا، حتى تجد العائلات ما تحتاج إليه من طعام خلال أيام العزاء.
وبينما كانت الأسر منشغلة باستقبال المعزين وتلقي واجب العزاء ومحاولة استيعاب فقدان أحبائهم، تولت نساء القرية جانبًا من المسؤوليات اليومية، وقررن أن يقدمن الطعام لأهل المتوفين وضيوفهم دون انتظار طلب أو مقابل.
وتحولت المطابخ في العديد من منازل القرية إلى خلية عمل، حيث أعدت السيدات كميات من الطعام، قبل أن يتم نقلها إلى سرادق العزاء ومنازل أسر الضحايا.
عادة ريفية متوارثة
أحد أبناء قرية الملاك أوضح أن ما قامت به سيدات وفتيات القرية ليس موقفًا عابرًا، وإنما عادة أصيلة توارثها أهالي الريف المصري منذ سنوات طويلة.
وأشار إلى أن أهالي القرى اعتادوا في حالات الوفاة على مساندة أسرة المتوفى من خلال إعداد الطعام وتقديمه لأفراد الأسرة والمعزين، باعتبار أن أهل الفقيد في تلك الظروف يكونون في أمسّ الحاجة إلى من يخفف عنهم أعباء الحياة.
وأوضح أن كل أسرة تقريبًا شاركت بما تستطيع، حيث خرجت السيدات والفتيات بصوانٍ محملة بالطعام إلى سرادق العزاء، بينما جرى تخصيص جزء آخر من الوجبات لمنازل أسر الضحايا.
الهلال الأحمر والمتطوعون يشاركون في الدعم
ولم تقتصر جهود الدعم على أهالي القرية فقط، إذ شاركت سيدات وفتيات من الهلال الأحمر وعدد من المتطوعين في مساندة الأسر وتنظيم عملية تقديم الطعام ونقله.
وساهم المتطوعون في تخفيف الضغط عن الأهالي، خاصة مع الأعداد الكبيرة من المعزين الذين توافدوا على سرادق العزاء، في مشهد عكس حالة واضحة من التعاون بين أبناء القرية والمتطوعين.
وفي ظل هذا الحزن، كانت كل صينية طعام تحمل معنى أكبر من مجرد وجبة؛ فقد كانت رسالة صامتة لأسر الضحايا تقول إنهم ليسوا وحدهم، وإن أبناء القرية يقفون إلى جوارهم في أصعب أيام حياتهم.
حادث مأساوي خلّف عشرات الضحايا
وجاءت هذه المبادرات الإنسانية عقب الحادث المأساوي الذي وقع بدائرة مركز القصاصين بمحافظة الإسماعيلية، إثر تصادم مركبتي ربع نقل كانتا محملتين بعمالة يومية.
وبحسب ما أعلنته النيابة العامة، كشفت التحقيقات الأولية أن انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين أدى إلى انحرافها إلى الاتجاه المقابل، قبل أن تصطدم بالمركبة الأخرى.
وأسفر الحادث، وفق بيان النيابة العامة، عن وفاة 18 شخصًا وإصابة 30 آخرين، تتراوح أعمارهم بين 9 و50 عامًا، فيما جرى نقل المصابين إلى المستشفيات الحكومية بمحافظة الإسماعيلية.
وانتقل أعضاء النيابة العامة إلى موقع الحادث لمعاينته، بينما توجه فريق آخر إلى المستشفيات لمناظرة جثامين المتوفين والاستماع إلى أقوال المصابين وذويهم.
تحقيقات النيابة تكشف تفاصيل جديدة
وأوضحت النيابة العامة أن الحالة الصحية حالت دون سؤال 20 مصابًا، من بينهم سائقا المركبتين، بينما غادر خمسة مصابين المستشفيات بعد تحسن حالتهم الصحية.
كما استمعت النيابة إلى أقوال خمسة مصابين آخرين، الذين أيدوا ما توصلت إليه التحقيقات بشأن كيفية وقوع الحادث، وأعلنوا تصالحهم عن إصاباتهم.
وأمرت النيابة بالتصريح بدفن جثامين المتوفين، وانتداب مهندس فني مختص لفحص المركبتين، إلى جانب أخذ عينات من السائقين للتأكد من مدى تعاطيهما مواد مخدرة من عدمه، مع استمرار التحقيقات والاستماع إلى باقي المصابين فور استقرار حالاتهم الصحية.

قرية كاملة تحمل الوجع
وبينما تواصل الجهات المختصة تحقيقاتها لكشف جميع ملابسات الحادث، بقيت قرية الملاك أمام مشهد إنساني مختلف، بعدما تحولت مراسم العزاء إلى صورة واضحة للتكافل الاجتماعي.
ففي مثل هذه اللحظات، لا تحتاج الأسر المنكوبة إلى الكلمات وحدها، وإنما إلى من يقف بجوارها في التفاصيل الصغيرة التي تصبح ثقيلة تحت وطأة الحزن.
وكانت سيدات وفتيات القرية حاضرات في تلك التفاصيل، بالطعام والمساعدة والتنظيم، ليؤكدن أن عادات التكافل ما زالت قادرة على الظهور بقوة وقت الشدة.
رسالة تتجاوز الطعام
في الختام، لم تكن صواني الطعام التي حملتها سيدات الملاك مجرد وجبات قدمت للمعزين، وإنما كانت رسالة إنسانية خالصة من أبناء القرية إلى أسر الضحايا.

