تتجاوز العلاقات بين مصر والصين حدود التعاون الاقتصادي والتجاري، لتصل إلى ملفات أكثر ارتباطًا بالأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، خاصة في ظل امتلاك بكين علاقات قوية ومتوازنة مع مختلف دول القارة الأفريقية، ومن بينها مصر وإثيوبيا. ومع استمرار أزمة سد النهضة وتباين المواقف بين دولتي المصب ودولة المنبع، يبرز التساؤل حول إمكانية أن تلعب الصين دورًا في تقريب وجهات النظر وحل الخلافات القائمة.
ويرى الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن الصين تعد من أبرز الدول التي يمكن أن يكون لها تأثير فعّال في ملف سد النهضة، نظرًا إلى طبيعة علاقاتها ومصالحها المتشعبة مع كل من مصر وإثيوبيا.
علاقات قوية مع مصر وإثيوبيا
وأوضح شراقي أن الصين تتمتع بحضور اقتصادي واستثماري واسع في القارة الأفريقية، ولا سيما في إثيوبيا، حيث تمتلك استثمارات ومشروعات في عدد كبير من القطاعات، من بينها قطاع السدود والطاقة.
وأشار إلى أن الصين سبق أن شاركت في إنشاء سد على نهر عطبرة، أحد روافد نهر النيل، عام 2009، كما كان لها حضور في ملف سد النهضة نفسه، خاصة فيما يتعلق بنقل الكهرباء وشبكاتها.
وأضاف أن الشركات الصينية دخلت بقوة في أعمال الكهرباء المرتبطة بالسد، بعد استبعاد شركة «ميتيك» الإثيوبية التي كانت تتولى جزءًا من أعمال التوربينات وشبكات نقل الكهرباء، على خلفية اتهامات بالفساد، لتتولى شركات صينية جانبًا من هذه الأعمال.
الصين.. مصالح مشتركة مع أطراف الأزمة
وأكد أستاذ الموارد المائية أن هذه المعطيات تجعل بكين طرفًا يتمتع بمقومات مهمة لأي وساطة محتملة، فهي من جهة ترتبط بعلاقات وثيقة مع مصر، ومن جهة أخرى لديها استثمارات ومصالح اقتصادية واسعة داخل إثيوبيا.
كما لفت إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر والصين وصل إلى نحو 21 مليار دولار، وهو ما يعكس عمق العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بالتوازي مع ضخامة الاستثمارات الصينية في إثيوبيا.
ويرى شراقي أن وجود مصالح مشتركة للصين مع أطراف الأزمة يمكن أن يمنحها قدرًا من الثقة والقدرة على الاستماع إليها، وهو أمر يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح أي جهود للوساطة.

لماذا لا تتدخل الصين بشكل مباشر؟
ورغم توافر هذه المقومات، يرى شراقي أن الصين لم تبادر حتى الآن إلى طرح نفسها كوسيط مباشر في أزمة سد النهضة، مرجعًا ذلك إلى طبيعة السياسة الصينية التي تعتمد بدرجة كبيرة على العمل الهادئ بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والتدخلات الصريحة في القضايا الدولية الحساسة.
وأوضح أن عدم إعلان الصين عن دور مباشر لا يعني غيابها عن المشهد، إذ تفضل بكين عادةً التحرك بهدوء والحفاظ على علاقاتها ومصالحها مع مختلف الأطراف دون تقديم نفسها بصورة صريحة كطرف رئيسي في الأزمات.
هل تنجح بكين في تقريب وجهات النظر؟
وبحسب شراقي، فإن الصين قد تكون من أكثر الدول التي تتوافر لديها مقومات لعب دور الوسيط في أزمة سد النهضة، نظرًا إلى علاقاتها القوية مع مصر وإثيوبيا، إلى جانب وجودها الاقتصادي الكبير في أفريقيا وخبراتها الواسعة في مجالات المياه والسدود والطاقة.
وأشار إلى أن المبادرة بطلب تدخل صيني قد تكون نقطة البداية، موضحًا أن بكين، في حال دعيت رسميًا للمشاركة في جهود الوساطة، من غير المرجح أن ترفض الدور بشكل قاطع، خاصة أن لديها خبرة كبيرة في مجالات السدود والكهرباء وإدارة المشروعات المائية.
ملف سد النهضة.. الوساطة تحتاج إلى ثقة
وتبقى أزمة سد النهضة واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في منطقة حوض النيل، في ظل تمسك إثيوبيا بحقها في استغلال مواردها المائية، مقابل تأكيد مصر والسودان ضرورة التوصل إلى اتفاق يحفظ حقوق دولتي المصب ويضمن عدم الإضرار بمصالحهما المائية.
وفي هذا السياق، قد تمثل الصين خيارًا مختلفًا عن بعض الأطراف الدولية التقليدية، ليس فقط بسبب قوتها الاقتصادية والسياسية، ولكن أيضًا بسبب تشابك مصالحها مع الدول الثلاث وخبرتها في تنفيذ المشروعات المائية الكبرى.
في الختام، لا تبدو إمكانية لعب الصين دورًا في أزمة سد النهضة مستبعدة، خاصة أن بكين تمتلك بالفعل شبكة واسعة من العلاقات والمصالح مع مصر وإثيوبيا. لكن نجاح أي وساطة صينية يظل مرتبطًا بمدى استعداد أطراف الأزمة لقبول هذا الدور وطلبه رسميًا.

