في الوقت الذي تتجه فيه الدولة بكامل أجهزتها نحو مرحلة جديدة من التطوير والتحديث وتصدر القيادة السياسية والحكومة وعلى رأسها توجيهات رئيس مجلس الوزراء قرارات حاسمة لتوفير كل سبل التسهيل والدعم للموظفين المنتقلين للعمل بالعاصمة الجديدة، يصطدم هذا التوجه الحضاري بواقع إداري مرير تغيب عنه روح الفهم والمسؤولية الإنسانية في الميدان.
حين يخوض الموظف المنتقل تجربة إعادة استقرار أسرته ونقل أبنائه إلى المدارس القريبة من مقر عمله وسكنه الجديدين، فإنه لا يطلب استثناء خارجا عن القانون ولا مكرمة خاصة بل يسعى لتطبيق قرار رسمي صرح به جهارا للتسهيل عليه وعلى أسرته. غير أن رحلة المعاملات الرسمية تتحول إلى رحلة استنزاف نفسي وجسدي حيث لا يكتفى بتجاهل التيسيرات المقرة بل يزاد الطين بلة حين يعاقب الأبناء على تفوقهم الدراسي.
ومن سخرية القدر المؤلمة أن يكون ولي الأمر موظفا في ديوان عام وزارة التربية والتعليم ذاتها يحمل موافقة صريحة من جهة عمله المركزية ثم يفاجأ في الميدان المدرسي والإداري بعدم الاعتداد بهذه الموافقة ويطالب بإثباتات معقدة حول مناسبة التنسيق دون أدنى التفات لبيان النجاح والتفوق المشرف وكأن التفوق أضحى عبئا إضافيا يحاسب عليه الطالب وأسرته بدلا من أن يكون سببا للتكريم والتسهيل.
إن هذا التعنت الميداني يخفي خلفه ظاهرة نفسية وسلوكية تعرف بعقدة التحكم الزائف. إنها نزعة متأصلة لدى بعض القائمين على المعاملات الخدمية لممارسة السيطرة وإشعار المراجع بالحاجة الدائمة إليهم عبر اختلاق عقبات إجرائية لا نص عليها وتجاهل روح القرارات المصيرية العليا. إنها حيلة دفاعية يمارسها من يجد في التعقيد إثباتا لوجوده الوظيفي ونفوذه الإداري متناسيا أن الأوراق والملفات التي بين يديه هي في الحقيقة مصائر أسر وأحلام أطفال واستقرار نفسي لأولياء أمور يبذلون قصارى جهدهم في خدمة الوطن.
وفي خضم هذا الجفاف الإداري والمزاجية الفردية نبتعد كثيرا عن التوجيه النبوي الخالد الذي يمثل روح التعامل الإنساني الراقي: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. فالرحمة والتيسير ليسا شعارات ترفع في المناسبات بل هما المبدأ الأخلاقي والأصيل الذي يجب أن يترجم في كل توقيع وكل إجراء وكل مدرسة ومؤسسة خدمية.
ومن هنا يبرز نداء اجتماعي وتربوي راق نرفعه إلى معالي وزير التربية والتعليم؛ فكما حرصتم كل الحرص وبشكل يحترم ويقدر على صون كرامة المعلم وحقه وأكدتم مرارا أنه خط أحمر لا يجوز المساس به فإن الموظف في ديوان الوزارة وفي أجهزتها الإدارية هو أيضا جزء أصيل من هذه المنظومة وكرامته واستقراره النفسي والأسري يجب أن يكونا كذلك خطا أحمر. ليس من المقبول إداريا ولا تربويا أن يعمل الموظف في رأس الهرم التعليمي بالديوان ثم يعامل في الميدان والتنفيذ بدونية إجرائية وتجاهل لموافقات وزارته الرسمية.
إن اللوائح والقرارات وضعت أساسا لتنظيم حياة الناس وتيسير شؤونهم والتيسير على المنتقلين للعاصمة الإدارية ليس تفريطا في النظام بل هو أرقى درجات النضج الإداري والمسؤولية الأخلاقية. وحين يدرك كل مسؤول وموظف أن مقياس النجاح الوظيفي يكمن في رفع المشقة عن كاهل الإنسان تتحول بيئتنا الإدارية من ساحة للتعقيد والإحباط إلى نموذج حقيقي للتعاون الإنساني والاحترام المتبادل.