قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عائشة غنيمي تكتب: تعزيز مرونة الاقتصاد المصري في عالم متعدد الأقطاب

عائشة غنيمي
عائشة غنيمي

بات التعاون الاقتصادي متعدد الأطراف محركًا رئيسيًا لتعزيز القوى السياسية والعسكرية في الساحة الدولية والإقليمية؛ فالثقل الاقتصادي الأمريكي زاد من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية سياسيًا وعسكريًا بين الفاعلين الدوليين. وقد شهد العالم على مدار عقد من الزمن بزوغ أقطاب متعددة، على رأسهم الصين وروسيا. وجاءت بداية انطلاقة تجمع "بريكس" في عام 2006؛ هذا التكتل الاقتصادي والسياسي العابر للقارات الذي شهد بداية الاتجاه الفعلي على مدار عقود صوب التعددية القطبية، سعيًا للخروج من حصار الأحادية القطبية وتغليب مصالح الأمن الجماعي الدولي.

وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا، شهد تجمع "بريكس" توسعًا وتطورًا ملحوظًا تجلى في زيادة عدد الأعضاء وتنويع شركائه، فضلاً عن الدور التنموي الذي يضطلع به بنك التنمية الجديد الذي تم إنشاؤه عام 2015. ومع التطورات المتسارعة التي شهدها العالم على مدار العقد المنصرم، توسعت عضوية التجمع لتشمل مصر كعضو رسمي ودائم، إلى جانب دول: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، والإمارات، وإثيوبيا، وإيران. وعليه، ضم التجمع في الوقت الحالي ما يقرب من 46% من سكان العالم، ويشكل أكثر من 36% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ومع احتدام الحرب في الشرق الأوسط واستمرار غلق مضيق هرمز، وتعميق هيمنة الإدارة الأمريكية في فرض إجراءات حماية أدت إلى تفاقم الحروب التجارية، إلى جانب استمرار النزاعات والصراعات الجيوسياسية التي هددت الممرات الملاحية العالمية، أصبح العالم تحت حصار الصراعات الجيوسياسية؛ حيث اضطراب سلاسل الإمداد وتهديد أمن الطاقة والغذاء، ومن ثم زيادة الضغوط التضخمية وتخفيض وتيرة النمو الاقتصادي والتجاري عالميًا. الأمر الذي دفع إلى تعزيز التعاون الاقتصادي متعدد الأقطاب، حيث تنويع الشركاء التجاريين والاستثماريين والموردين، وإعادة هيكلة خريطة الاستثمار والتجارة إقليميًا وعالميًا، فضلاً عن انتهاج سياسات اقتصادية تهدف إلى تعميق الاندماج في سلاسل القيمة والسلاسل الإمدادية العالمية.

وفي خضم تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وتنامي التطور التكنولوجي المتسارع، أصبح الاقتصاد العالمي بين تجاذبات تداعيات الحروب والتطورات التكنولوجية. وعليه، أصبح التنوع الاقتصادي ضرورة حتمية لتعميق مرونة اقتصادات الدول وتوطيد صلابتها في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية. ويأتي الاقتصاد المصري من بين اقتصادات الدول الأفريقية والعربية الأكثر نموًا لعام 2026 وفق توقعات المؤسسات المالية الدولية، مدعومًا بهيكل اقتصادي متنوع ذي قدرة تنافسية وطاقة إنتاجية جاذبة لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وللطلب العالمي في أسواق مختلفة، مستفيدًا من اتفاقيات التجارة الحرة والصفقات الاستثمارية الكبرى في أصول الدولة.

هذا إلى جانب تعظيم الاستفادة من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى قاعدة إنتاجية وتصديرية بفضل تطوير الخدمات اللوجستية الرقمية والموقع الجغرافي المتميز الذي ييسر حركة التجارة الدولية، ومن ثم زيادة إيرادات قناة السويس، وزيادة حصيلة الصادرات المصرية غير البترولية، وبالتالي ارتفاع حجم الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي المصري وتوطيد صلابة القطاع الخارجي.

كما تنتهج الدولة المصرية سياسات استثمارية وإنتاجية تعزز توجيه الاستثمارات إلى توطين الصناعة، وزيادة المكون المحلي في عملية الإنتاج، وتوطين تكنولوجيا المعلومات والاستفادة من الخبرات الفنية المتطورة لتطوير أساليب الإنتاج والتصنيع الزراعي، فضلاً عن الالتزام بتطبيق المعايير البيئية العالمية والعمل على إنتاج سلع وخدمات منخفضة الكربون، مما يسهم في إدماج الاقتصاد المصري في سلاسل القيمة العالمية. وتجدر الإشارة إلى أن الدولة قد شهدت توسعًا ملحوظًا في تطوير الموانئ ومحاور الربط وشبكات النقل، بما يعزز كفاءة حركة التجارة، ويدعم التحول الأخضر في النقل البحري، ويقوي الترابط الإقليمي.

وقد جاء الحضور الاقتصادي المصري في قمة تجمع "بريكس" الثامنة عشرة حضورًا متميزًا بين اقتصادات الدول الأعضاء، ليعمق أواصر التعاون من أجل تأمين سلاسل الإمداد، وضمان أمن الطاقة والأمن المائي والغذائي، ومواجهة تغير المناخ. وتستهدف الدولة المصرية توسيع نطاق التعاون في مجالات الابتكار والذكاء الاصطناعي، ونقل التكنولوجيا وتوطينها، فضلاً عن مجالات الطاقة النظيفة والمتجددة، وتطوير كفاءة استخدام الموارد، وتيسير نفاذ الدول النامية إلى التمويل والتكنولوجيا، مع الأخذ في الاعتبار مواصلة العمل على استدامة البنية التحتية وشبكات النقل واللوجستيات.

هذا بالإضافة إلى تعظيم الاستفادة من إمكانات وموقع مصر الاستراتيجي في تعزيز التعاون مع دول التجمع في مجالات الطاقة والغذاء والنقل والاستثمار، بما يسهم في بناء شراكة اقتصادية أكثر صلابة، ويعزز مرونة اقتصادات دول الجنوب والدول الناشئة، ويحد من تداعيات الصدمات الخارجية على تحقيق النمو والتنمية المستدامة والشاملة.

وعلى هدى ما تقدم، تشكل المرونة الاقتصادية حجر أساس لضمان أمن الغذاء والطاقة، وتأمين سلاسل الإمداد والقيمة العالمية، وتعزيز القدرة على معالجة الاضطرابات واستدامة حركة التجارة الاستثمارية. وتكمن أهمية التعاون الاقتصادي بين دول تجمع "بريكس" في تنوع اقتصادات أعضائه وشركائه والفرص الاستثمارية المتاحة بفضل المزايـا النسبية المتنوعة للدول الأعضاء. إذ لا يقتصر التعاون على تحديد الأولويات، بل يمتد إلى إقامة المشروعات والاستثمارات المشتركة القائمة على الإنتاج وزيادة القيمة المضافة والتصدير. كما يلعب بنك التنمية الجديد دورًا مهمًا في توفير التمويل اللازم لمشروعات البنية التحتية وكافة جهود التنمية، وتوسيع قدرة الدول النامية على النفاذ إلى التمويل الميسر.

أخيرًا وليس آخرًا، أسهمت مرونة الاقتصاد المصري إيجابيًا في تعزيز مكانة الدولة الاقتصادية والسياسية إقليميًا ودوليًا في ظل تفاقم الصراعات الجيوسياسية، بفضل الدبلوماسية الاقتصادية متعددة الأطراف والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي مكن الدولة من الاستمرار بجدارة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية للإصلاح الاقتصادي، واستدامة التدفقات الاستثمارية طويلة الأجل، والانضمام للتكتلات الإقليمية والدولية مثل تجمع "بريكس"، مما خلق شبكة اقتصادية وتجارية قوية ومتنوعة من الشركاء، ووطد ثقة المؤسسات المالية الدولية في جدارة وصلابة الاقتصاد المصري.