حفرت إبداعات الموسيقار رياض السنباطي خلودها في تاريخ النغم العربي، وتجذرت في وجدان الأمة بوصفها ألحاناً عابرة للزمن والحدود. فلم يكن السنباطي مجرد ملحنٍ عابر، بل كان مهندس الكلمة الفصحى وصانع أمجاد القصيدة العربية ،الذي استطاع بمفرده أن يبني جسراً متيناً يربط بين نخبويّة الشعر الفصيح وعاطفة الجماهير العريضة من المحيط إلى الخليج.
عندما تستمع إلى روائعته الأطلال، تدرك فوراً أنك في حضرة عبقرية موسيقية استثنائية، وهي الأيقونة التي توجتها صحيفة لوموند الفرنسية ضمن أفضل مائة عمل فني وأدبي شكلت ذاكرة القرن العشرين.
ولم تكن الأطلال سوى لؤلؤة في عقد إبداعات رياض السنباطي، الذي استحق عنها وعن مسيرته الحافلة جائزة أفضل موسيقِي في العالم، ليعتلي عرشاً رفيعاً لم يصل إليه سوى خمسة مبدعين فقط على مستوى العالم، وكان هو العربي الوحيد بينهم. وتتجلى مفرادته في أن معالم موسيقاه ظلت أصيلة،لم تتأثر بأية مقامات أو جمل لحنية غربية.
وقد استهل السنباطي رحلته متأثراً بعبقرية سيد درويش، ولعل غناءه لدور أنا هويت وانتهيت يمثل الاستثناء الوحيد والأبرز في تاريخه، إذ لم يسبق له بعد احتراف التلحين أن شدا بألحان غيره، سوى ألحان إمام الملحنين الشيخ سيد درويش.
ارتكزت ملامح التلحين عند السنباطي على الإيقاعات الشرقية الرصينة، والبحور الشعرية الفسيحة، والكلمة الفصحى التي تستدعي لحناً يماثلها مهابة، مستنداً إلى مقامات راسخة صاغ بها أسلوباً تلحينياً فريداً تجلى في أبهى صوره عبر القصائد.
وتجلت عبقريته الفذة في قدرته على جعل عموم الشعب يستمتعون بالقصيدة ويتذوقونها ويعشقونها، بعد أن كانت حبيسة دواوين شعرائها، إذ هبطت على يديه من برجها العاجي لتصاغ في ألحان عذبة ترقرقت بتناغم ساحر يجمع بين الأصالة والحداثة.
ومكانة لم ينازعه فيها أحد؛ حيث وهبها خلوداً ممتداً، وتقمص روح الأبيات الشعرية بألحان تجاوزت حدود الإبداع التقليدي. وتمكن السنباطي من خلق حالة وجدانية استثنائية آسرة ، مما أوجد عقداً فريداً لا تنفرط حباته بين الجماهير من المحيط إلى الخليج والشعر الفصيح.
ورغم تعاون أم كلثوم مع عباقرة ملحني عصرها، إلا أن ثنائيتها مع رياض السنباطي جاءت لتتوّج التناغم الفريد بين النبوغ الموسيقي والإعجاز الصوتي، لا سيما في القصائد التي قضى رياض جل عمره بين أبياتها، ساكباً فيها خلاصة إبداعه لتشكل تاجاً تتباهى به الموسيقى الشرقية عبر التاريخ.
وقد تجسد التحدي الأكبر في مسيرة السنباطي عند تصديه لـرباعيات الخيام للشاعر الفارسي عمر الخيام، والتي صاغها شعراً بالعربية الشاعر أحمد رامي، ورغم صعوبة النص وفلسفته، استطاع السنباطي بعبقريته الفذة أن يجتاز هذا الاختبار الصعب، فصاغها بمقامات عربية أصيلة تجاوزت عظمتها حدود الجغرافيا والتاريخ، ليتسيد بها عرش تلحين القصيدة بلا منازع، معلناً بداية المرحلة الأهم في رحلته الإبداعية.
ومن الأصالة إلى التجدد، كان السنباطي في حالة تطور دائم، يتحدى نفسه مع كل نص جديد؛ فانطلق بألحانه ليعبر القارات بدءاً من حديث الروح للباكستاني محمد إقبال، وصولاً إلى الكلاسيكية العربية في أراك عصي الدمع لأبي فراس الحمداني ،ومروراً بالمبدع اليمني علي أحمد باكثير في أحب القس سلامة، وأحمد فتحي في قصة الأمس، والأمير عبد الله الفيصل في روائعه من أجل عينيك وثورة الشك، والشاعر طاهر أبو فاشا في مناجاة رابعة العدوية، وشاعر النيل حافظ إبراهيم في ملحمته مصر تتحدث عن نفسها، حتى وصل إلى قمة الهرم الإبداعي مع الأطلال للشاعر إبراهيم ناجي، وهي الأيقونة التي وصفها النقاد أنها تاج الأغنية العربية.
تظل الفخامة، والثراء النغمي، والمهابة، وكلاسيكية البناء، أبرز السمات التي ميزت الجملة اللحنية لدى السنباطي، فقد نجح في فرض شخصيته الفنية المستقلة دون أن يتأثر بالمقامات الغربية، ولكنه في ذات الوقت لم يغلق السنباطي الباب أمام الآلات الموسيقية الحديثة، بل طوّعها ووظفها بذكاء في إطار شرقي خالص يحافظ على هوية اللحن الأصيل.
لقد نبتت موهبة السنباطي من جذورٍ ضاربة في أعماق الموروث الثقافي والمقامات الشرقية الأصيلة، إذ استقاها بداية من فن الإنشاد الديني، ثم صقلها بإتقان تجويد تلاوة القرآن الكريم، فضلاً عن شغفه الشديد بأسرار اللغة العربية العريقة، هذا المزيج الفريد صب في بوتقة عبقريته، لتغدو مدرسة رياض السنباطي متأصلة في وجدان وثقافة الشعب العربي من جيل إلى جيل.
منى أحمد تكتب: السنباطي .. عبقري النغم وسيد القصيدة