قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: تنبؤات الكارتون وسحر المصادفة.. عندما يستقرئ العقل البشري سنن الواقع

ياسر إبراهيم عبيدو
ياسر إبراهيم عبيدو

بين الحين والآخر، تشهد منصات الفضاء الرقمي موجات عارمة من الجدل كلما تحققت لقطةٌ أو نكتةٌ صِيغت قبل عقود في مسلسل رسوم متحركة شهير، لتبدأ معها طقوس "صناعة الأسطورة" وعلامات التعجب حول ما يُسمّى بـ "التنبؤ المسبق بالمستقبل". وكان آخر هذه الموجات ما يُثار حول العودة المرتقبة لفيلم كرتوني جديد في عام 2027، بعد استدعاء جملةٍ عابرة كُتبت على سبورة مدرسة قبل زهاء عشرين عاماً!
إن الوقوف أمام هذه الظاهرة بـ عينٍ صحفية رصينة وفكرٍ تحليلي مستنير، يستوجب منا الخروج من دائرة الإثارة السطحية والتفسيرات التأمرية المحبوكة، للغوص في عمق البناء البشري، وقوانين الاحتمالات، ومرتكزات الاستدلال العلمي والسنني.
أولاً: قانون الأعداد الكبيرة وسحر الاحتمالات
في علم الرياضيات، يُجمع العلماء على ما يُعرف بـ "قانون الأعداد الكبيرة"؛ وهو مبدأ يقضي بأن الحوادث التي تبدو نادرًا أو مستحيلة الحدوث للوهلة الأولى، تصبح حتمية الوقوع عندما يتسع نطاق المحاولات وتتكرر ألوف المرات.
عندما نتحدث عن عمل درامي امتد لأكثر من ثمانمائة حلقة على مدار نيف وثلاثين عاماً، وكانت غرفة كتابته تطرح في كل جلسة مئات النكات والأفكار السينمائية والاحتمالات المستقبلية قبل تصفياتها إلى العشرات، فنحن هنا أمام ملايين المحاولات والاحتمالات المصوغة. ومن الناحية الحسابية الصرفة، فإن عدم تحقق بضع عشرات من هذه التوقعات طوال هذه العقود هو ما كان سيُعدّ أمراً مستغرباً وليس العكس!
ثانياً: استقراء السنن لا معرفة الغيب
إن التمييز هنا واجب بين "التنبؤ الغيبي" وبين "الاستقراء السليم لاتجاهات الحياة والسنن البصرية"؛ فالغيب المطلق هو مما استأثر الله جل وعلا بعلمه، كما قرر المحكم في كتابة العزيز: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]. وما يدّعيه البعض من قدرات خارقة على اختراق حجب الغيب ليس إلا محض أوهام.
لكن ما يحدث داخل غرف الكتابة في هذه الأعمال ليس سحراً ولا ضرباً من الودع، بل هو نتاج خلفيات أكاديمية رفيعة؛ حيث يضم فريق الكتاب نخبة من خريجي جامعات مرموقة في تخصصات الفيزياء والرياضيات والكيمياء والتاريخ. هؤلاء العقول المدربة لا تتنبأ، بل تقرأ الواقع القائم، وتلاحظ السنن الاجتماعية والتطورات التقنية والاتجاهات السياسية في بداياتها الأولى، ثم تستقرئ المآلات بذكاء شديد وتدفع بها إلى أقسى صورها الساخرة.
•    فعندما رُسمت شخصية عامة مثيرة للجدل كرئيس مستقبلي في عام 2000، لم يكن الاسم عشوائياً، بل كان الرجل يلمّح طوال التسعينيات عن طموحه السياسي وتطلعه للبيت الأبيض.
•    وعندما صُوّرت تقنيات المحادثات الملموسة وساعات المعصم في منتصف التسعينيات، كانت المختبرات العلمية تبحث الفعل في هذه المفاهيم، وما قيل إنه تنبؤ لم يكن سوى التقاط ذكي لبذور اختراعات كانت قيد التنفيذ.
ثالثاً: الانحياز المعرفي وصناعة الأسطورة
تتغذى أسطورة "التنبؤ" على إحدى الخصائص النفسية الأصيلة في السلوك البشري والمُسماة بـ "الانحياز التأكيدي" أو الانتقائي؛ فالجمهور يميل بفطرته وشغفه للغرائب إلى تذكّر "السهم الذي أصاب الهدف" والتهليل له، بينما يطوي النسيان آلاف الأسهم الأخرى التي طاشت وسقطت في الفراغ ولم يتحقق منها شيء.
يتصف العقل البشري بالبحث الدائم عن أنماط مفهومة وسط ضجيج هذا العالم المعقد، ويستهويه إيجاد رابط مُبسط بين نكتة خفيفة صِيغت قبل عقود وبين حادث مفصلي يقع اليوم. بل إن الغريب في بعض الأحيان أن الواقع هو من يتأثر بالسخرية؛ كما حدث حين اعتمد مهندسو إحدى كبريات شركات التقنية نكتة سُخر فيها من لوحة مفاتيح قديمة، فجعلوها حافزاً وتذكيراً هندسياً أثناء تطويرهم للوحات الهواتف الذكية الحديثة، ليغدو الفن هنا سائقاً للمستقبل ومؤثراً فيه لا مجرد مِرآة له.
خلاصة القول
إن ما نراه من تطابقات ليس ألغازاً غامضة تتطلب حلولاً ميتافيزيقية، بل هو حصاد تفاعل إنساني بين استقراء علمي ذكي لاتجاهات الواقع من جهة، واحتمالات رياضية واسعة النطاق من جهة أخرى، معززةً برغبة بشرية جامحة في إضفاء الهالة والغموض على المصادفات.
ويبقى الدرس الأهم أن المستقبل لا تصنعه التنبؤات الكرتونية، وإنما يصنعه الذين يقرؤون سنن الله في الكون والمجتمع والعلم قراءة صحيحة، ويرصدون مقدمات اليوم ليفهموا بها مآلات الغد.