قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

سيد الضبع يكتب: أبواق التحريض.. تنكشف في خطابها.. لا تعرف إلا السباب والشتائم

سيد الضبع
سيد الضبع

في كل فترة تظهر أصوات من خارج مصر، تعيش بعيدًا عن تفاصيل حياة المصريين، وتتحدث إلينا وكأنها الأحرص على مصلحتنا، ثم لا تقدم في النهاية سوى خطاب واحد: غضب، إحباط، تشكيك، وتحريض على الفوضى. كل فترة يظهر شخص جديد، بحساب جديد وخطاب يبدو في ظاهره دفاعًا عن المواطن، لكنك عندما تستمع جيدًا لا تجد حلولًا أو أفكارًا أو طريقًا للإصلاح، وإنما تجد دعوة مفتوحة إلى التصادم.

والأغرب من ذلك أنك عندما تتابع بعض هذه الأصوات، تجد تدنيًا واضحًا في مستوى الأخلاق، وتجد الألفاظ الخارجة والسباب والشتائم والإساءة إلى الآخرين، وكأن من يتحدث عن الوطن لا يرى مشكلة في أن يهدم لغة الحوار نفسها.

وهنا أسأل ببساطة: كيف يمكن أن أتقبل حديثًا عن الأخلاق والوطن والمصلحة العامة من شخص لا يحترم أبسط قواعد الاختلاف؟ وكيف أثق في خطاب صاحبه لا يعرف إلا الشتيمة والإهانة والتجريح؟ الخلاف في الرأي لا يبرر إسقاط الأخلاق، والاختلاف مع المسؤول أو الدولة لا يمنح أحدًا حق إهانة الناس أو سبهم أو التشهير بهم.

فالأخلاق ليست شيئًا نستخدمه عندما يخدم موقفنا ثم نتخلى عنه عندما نختلف مع الآخرين.

من يريد أن يقدم نفسه مدافعًا عن المواطن، عليه أولًا أن يحترم المواطن، ومن يتحدث عن مستقبل مصر عليه أن يعرف أن بناء الأوطان يبدأ أيضًا ببناء لغة محترمة للحوار.

لا يمكن أن يكون السب بديلًا عن الحجة، ولا أن تكون الشتيمة دليلًا على الوطنية، ولا أن يتحول التجريح إلى وسيلة لإثبات صحة الرأي.

ومن يملك قضية حقيقية، يملك معها الحجة والدليل والقدرة على النقاش، أما من لا يملك إلا الصراخ والشتائم والإساءة، فغالبًا ما يكشف أسلوبه عن ضعف ما يقدمه من مضمون.

وهنا يجب أن نسأل السؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى كثير من التحليل: إذا كانوا فعلًا يريدون مصلحة المصريين، فأي مصلحة في الفوضى التي ينصحون بها؟

هل مصلحة المواطن أن يخاف على أسرته وأولاده بسبب غياب الأمن؟

هل مصلحته أن تتعطل أعماله ومصالحه؟

هل مصلحته أن تهتز مؤسسات الدولة وتتراجع الخدمات وتصبح حياته اليومية رهينة للاضطراب؟

الإجابة يعرفها كل من عاش تجربة الفوضى.

نحن لا نتحدث عن قصة في كتب التاريخ، وإنما عن تجربة عاشها المصريون بأنفسهم عام 2011.

رأينا الخوف وغياب الأمن والبلطجة في الشوارع، وتعطل المصالح، واضطراب الأسواق، ونقص بعض السلع والوقود، وحالة من عدم الاستقرار، والأهم أننا رأينا كيف تكون استعادة الاستقرار أصعب بكثير من هدمه.

الفوضى ليست مجرد هتافات تنتهي بانتهاء اليوم، لأن أحدًا لا يستطيع أن يضمن عندما تبدأ إلى أين ستصل، ومن يستطيع السيطرة عليها، ومن سيدفع ثمنها، نعم لدينا والحمد لله جيش وشرطة وأجهزة في الدولة تعمل جنبًا إلى جنب، ونثق في قدراتهم على الحفاظ على أمن واستقرار الوطن والمواطن، لكن لا فوضى دون خسائر ورجوع للوراء.

انظروا إلى ما جرى ويجري في دول عربية عدة، من السودان وسوريا واليمن إلى العراق وليبيا، ستجدون أمامكم دروسًا قاسية في ثمن الصراعات والانقسامات.

ومصر نفسها استقبلت ولا تزال تستضيف أشقاء من دول عربية جاءوا إليها بحثًا عن الأمان والاستقرار.

هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، وإنما عائلات تركت وراءها بيوتًا وأعمالًا وحياة كاملة بسبب الحرب.

اسأل من عاش الحرب عن معنى الأمن، ومن فقد منزله عن قيمة البيت، ومن اضطر إلى مغادرة وطنه عن معنى أن يكون لك وطن مستقر تعود إليه كل ليلة.

ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أصبح منكم آمِنًا في سِرْبِهِ، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا».

الأمن ليس تفصيلًا صغيرًا في حياة الإنسان، وإنما نعمة عظيمة لا يعرف قيمتها كاملة إلا من فقدها.

علينا أن نفرق بين النقد والإصلاح وبين التحريض على الفوضى.

من حق المواطن أن ينتقد، ومن حقه أن يطالب بتحسين الخدمات، ومن حقه أن يختلف مع المسؤول، ومن واجب مؤسسات الدولة أن تستمع إلى الناس وتتعامل مع مشكلاتهم.

أما أن يتحول الغضب إلى دعوة لهدم كل شيء، أو إشعال الشارع، أو دفع الناس إلى الصدام، فهنا نكون أمام أمر مختلف تمامًا.

الإصلاح يبني، أما الفوضى فتهدم، الإصلاح يحتاج إلى عقل، أما الفوضى فتحتاج إلى غضب، الإصلاح يقدم حلولًا، أما التحريض فلا يقدم إلا سؤالًا واحدًا: وماذا بعد الفوضى؟

وهنا تأتي أهمية الوعي بما نراه على منصات التواصل الاجتماعي.

ليس كل من يتحدث بلهجة مصرية أو يقول إنه يخاف على المصريين حريصًا بالضرورة على مصر.

المعيار ليس الكلام الجميل، وإنما: ما الذي يدعو إليه؟ وما النتيجة التي يريد الوصول إليها؟ فمن يريد مصلحة المصريين عليه أن يتحدث عن التعليم والصحة وفرص العمل والاستثمار وتحسين الخدمات، لا أن يكتفي بالصراخ والتحريض.

ومن يريد مستقبلًا أفضل للشباب، عليه أن يساعدهم على بناء المستقبل، لا أن يدفعهم إلى مواجهة لا يعرف أحد نهايتها.

مصر ليست دولة بلا مشكلات، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد. لدينا تحديات اقتصادية واجتماعية، وملفات تحتاج إلى تطوير، وشكاوى مشروعة يجب أن تناقش بجدية.

لكن وجود مشكلة لا يعني أن الحل هو هدم البيت. يمكن أن نختلف، ويمكن أن ننتقد، ويمكن أن نطالب بالإصلاح، لكن علينا أن نعرف الفرق بين إصلاح الوطن وإسقاط الوطن.

وأكبر خطأ يمكن أن يقع فيه أي مجتمع أن يسمح لمن يعيش بعيدًا عنه بأن يقنعه بأن خراب بلده هو الطريق إلى مستقبله.

لا يا سادة.. مصلحة المصري ليست في الفوضى. مصلحته في وطن آمن، ومؤسسات قوية، وجيش وطني، وشرطة تحمي الشارع، وقضاء يطبق القانون، وحكومة تستمع إلى الناس، ومواطن يمارس حقه في النقد دون أن يتحول الاختلاف إلى صدام.

الوعي لا يعني أن نغلق عقولنا أو نرفض كل ما يقال، وإنما يعني أن نستخدم عقولنا أكثر. لا تصدق كل من يقول لك: «أنا خايف عليك». اسأله: ماذا تقدم لي؟ هل تقدم حلًا أم تدفعني إلى الفوضى؟ هل تريد إصلاحًا أم صدامًا؟ هل تريد أن ترى مصر أفضل أم تريد أن تراها ضعيفة؟ فالكلمات كثيرة، لكن النتيجة هي التي تكشف الحقيقة.

مسؤولية الحفاظ على الوطن ليست مسؤولية الجيش أو الشرطة أو القيادة وحدها، وإنما مسؤولية كل مصري ومصرية.

مسؤوليتنا أن نحافظ على بلدنا من الفتنة، وأن ننتبه لما نقرأ ونسمع ونشارك، وألا نكون أداة في يد من يريد بث اليأس أو إشعال الفوضى أو التحريض على مؤسسات الدولة.

نختلف.. نعم. ننتقد.. نعم. نطالب بالإصلاح.. نعم. لكن عندما يكون الخطر على الوطن، يجب أن نتذكر أننا جميعًا في خندق واحد.

فالجيش المصري أحد أعمدة حماية الوطن، وأجهزة الدولة الوطنية تعمل من أجل حماية أمن المجتمع ومؤسساته، وفي أوقات الخطر لا وقت للمزايدات.

الوطن يحتاج إلى أبنائه جميعًا، يحتاج إلى وعيهم وعقلهم ومسؤوليتهم، حتى لا تتحول كلمة أو منشور أو مقطع مجهول المصدر إلى شرارة تشعل أزمة أكبر من المشكلة نفسها.

لا تمنحوا من يريدون الفوضى فرصة أن يستخدموكم وقودًا لمعركة لا تعرفون من بدأها ولا إلى أين ستنتهي.

مصر أمانة في أعناقنا جميعًا.. فلنحافظ عليها جميعًا.

ختامًا نسأل الله أن يحفظ مصر وشعبها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يوفق كل من يعمل من أجل إصلاحها وبنائها، وأن يصرف عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن.