كما يموت الناس مات
لا، لم تنحَ أرضٌ عليه ولا تهاوت شامخات
لا، لم تشيعه الطيور إلى القبور مولولات
وكما يموت الناس مات
كلما قرأت هذه الأبيات، أجدني مساقًا إلى أرض لا أرتادها بإرادتي. كأن في الكلمات فخًا شعريًا منصوبًا بإحكام آسر. الشاعر هنا لا ينتحب، لا يصيح في وجه القدر، لا يستجدي السماء ولا يأمر الجبال أن تتصدع. هو يقول الحقيقة مجردة من كل زخرف؛ الموت يقع. هكذا. كما يقع للناس كافة. لكنه، وهو يلفظ هذه البساطة المرة، يشرع باب الدهشة على مصراعيه لماذا إذن نحسب موت شاعر شيئًا آخر؟
في السابع عشر من سبتمبر عام 2010، سكن قلب عبد المنعم عواد يوسف. لكن الصوت - ذلك الصوت الذي تشكل على مهل وصبر كما يتشكل اللؤلؤ في قاع المحار - لم يسكن. بقي هناك، ماثلًا في الكتب، ساريًا في الذاكرة، مترددًا في الأصداء التي لا تذوي سريعًا.
في حضرة السندباد
عندما تقرأ شعر عبد المنعم عواد يوسف، يأخذك إحساس غريب؛ كأنك تجلس إلى طاولة خشب عتيقة في مقهى من مقاهي الخمسينيات، حيث كان الدخان يتصاعد مختلطًا بالأسئلة الكبرى، والشعراء يتجادلون في القصيدة الجديدة كما يتجادل الملاحون في طرق لم تجرب بعد. لم نعاصر ذلك الجيل أعيانًا، لكن النصوص تمنحك ما تعجز عنه المصافحات أحيانًا؛ تمنحك روح العصر كاملة، بترددها وجرأتها، بجراحها وأحلامها.
«سندباد الشعر العربي» ليس لقبًا للزينة ولا وسامًا شرفيًا. تأمل السندباد كما أورثتنا الحكايات هو شخص مغامر يغادر بيته. يخوض سبع رحلات، وفي كل رحلة يخسر شيئًا ويظفر بشيء، ثم يعود وفي جعبته حكايات أثمن من الذهب. هكذا كان عبد المنعم عواد يوسف، شاعر طاف كثيرًا، لكنه ظل يحمل وطنه في حقيبته، كقطعة قماش عتيقة تفوح منها رائحة البيت الأول، رائحة الأم، رائحة الطفولة التي لا تموت.
طفل بلا مكتبة!
البدايات تفضحنا دائمًا. وعبد المنعم عواد يوسف بدأ من حيث لا يتوقع أحد، من بيت خال من الكتب، في أسرة لا يقرأ أحد فيها شعرًا. طفل يسمع المواويل في الشارع قبل أن يعرف أن للغة قواعدَ وسلطانًا. هذه التفاصيل ليست عابرة في فهم شاعر بنى علاقته بالكلمة من العدم، من الفراغ، من العراء.
ذات يوم، قال له مدرس اللغة العربية جملة واحدة: «أنت ستكون أديبًا». جملة قد تمر في حياة أي تلميذ كإطراء صيفي عابر، لكنها هنا سقطت في تربة كانت تنتظرها منذ زمن بعيد. الطفل صدق. صدق بما يكفي ليلتهم شوقي وحافظ، ثم ينتقل إلى شعر المهجر، ثم يكتشف أن الكلمة وطن بديل حين تتعب الأوطان وتخونها الفصول.
تنبه إلى البداية الزجلية؛ الطفل الذي سمع الأغاني الشعبية قبل الفصحى احتفظ بإيقاع عميق في أذنه. هذا الإيقاع الشعبي سيظل يسري في شعره كتيار خفي تحت سطح اللغة العالية، كأنها نهر جوفي يغذي الأشجار من جذورها. ثم جاءت الفصحى. وجاء النشر الأول عام 1950 في «ركن الأدب» بمجلة «الزمان». لم تكن بداية صاخبة تملأ الدنيا ضجيجًا. كانت بذرة في تربة صحراوية، تنتظر ماء لا تدري متى يأتي، ولا من أين يهطل.
الجامعة وبناء العقول
في جامعة القاهرة، في قسم اللغة العربية، جلس الشاب يصغي إلى طه حسين وشوقي ضيف وسهير القلماوي وعبد العزيز الأهواني وعبد الحميد يونس. هؤلاء لم يكونوا مجرد أساتذة يلقون محاضرات على مسامع أحياء. كانوا غرفة عمليات كبرى تجري فيها زراعة عقول، وتشكيل وعي، وتفجير أسئلة.
طه حسين يعلم الشك المنهجي، ذاك الذي لا يسلم بالمسلمات ولا يخر للأصنام راكعًا. وشوقي ضيف يمسك بالجملة العربية ويفككها كأنها ساعة سويسرية دقيقة الصنع. وعبد الحميد يونس يقول بصوت الواثق إن التراث الشعبي ليس أدبًا من الدرجة الثانية، بل هو الروح الأولى التي خرجت منها كل الآداب. هذه الأصوات المختلفة، المتضافرة المتصارعة، شكلت وعيًا نقديًا لا يشتري النظريات الجاهزة ولا يبهره اللامع الفارغ.
وهناك، التقى بمن سيصبحون أعلامًا في سماء الثقافة العربية: رجاء النقاش، بهاء طاهر، محفوظ عبد الرحمن، صافيناز كاظم. كانوا جميعًا في البداية، لكن البدايات تشبه قاعات الانتظار في المطارات، تعرف منها من سيصل إلى وجهة بعيدة مجيدة، ومن سيبقى عالقًا في مقاعد الانتظار حتى النهاية. وهؤلاء جميعًا وصلوا، وحلقوا، وتركوا بصماتهم في ذاكرة الأدب العربي.
وفي عام 1952، نشر «الكادحون» في مجلة «الثقافة». كانت واحدة من التجارب المبكرة في الشعر الجديد. والانتقال من العمودي إلى التفعيلة لم يكن تغييرًا في الشكل وحسب، كما يظن السطحيون. كان قفزًا من ضفة آمنة مطمئنة إلى نهر هادر لا تعرف عمقه، ولا تخمن ما يخفيه من صخور وتيارات.
الشاعر الذي يكتب التفعيلة يتخلى عن القافية الموحدة التي كانت تمنحه إيقاعًا مضمونًا وأمانًا موسيقيًا. يدخل منطقة الإيقاع الداخلي حيث لا توجد ضمانات، وحيث الموسيقى تولد من بين الكلمات لا من نهاياتها. كان جيله - صلاح عبد الصبور، أحمد عبد المعطي حجازي، حسن فتح الباب - مقتنعًا أن القصيدة يجب أن تتنفس كما يتنفس الناس، لا كما تملي القواعد الجاهزة. رؤية جمالية جديدة.. نعم. لكنها كانت أيضًا استجابة حتمية لتحولات الواقع، وتعبيرًا عن روح عصر يتغير بسرعة لا ترحم.
زلزال 67
ثم جاءت النكسة. وهنا لا يمكن لأي دارس جاد أن يمر مرورًا سريعًا أو يطوي الصفحة طيًا. فالذين كانوا يكتبون عن النصر القادم وجدوا أنفسهم فجأة أمام هزيمة ساحقة تطحن العظام. الشعراء الذين كانوا يطلقون الحمائم في سماء القصيدة اكتشفوا أنها لا تكفي، وأن الكلمات التي كانت تملأ الدنيا رنينًا أصبحت كالأوراق الميتة في مهب الريح!.
لأن الانهيار لم يكن عسكريًا فحسب؛ كان انهيارًا لليقين كله، للتصورات والأحلام جميعًا. ودفع هذا الانهيار جيلًا بأكمله إلى سؤال واحد مرعب ما قيمة الكلمة إذا كانت الهزيمة تقع رغم كل الكلمات؟!
عبد المنعم عواد يوسف لم يكتب بعد النكسة شعرًا يردد القوالب الميتة. صار شعره مسكونًا بالمراجعة، مأهولًا بالتساؤل، مثقلًا بالبحث عن معنى جديد للكتابة في زمن انكشفت فيه الأقنعة. هذا ما يمنح نصوصه في تلك المرحلة عمقًا خاصًا إنها نصوص شاعر فقد براءته الأولى، ويكتب من هذا الفقد، لا من فوقه، ولا خارجه.
الاغتراب والمنفى
سنوات طويلة في الخليج. قد تبدو المسافة انقطاعًا عن الجذور، وقطعًا للحبال. لكنها في تجربته الشعرية والإنسانية كانت شيئًا آخر تمامًا؛ فعندما تكون بعيدًا عن وطنك، تراه بوضوح أكبر، كمن يبتعد عن لوحة ليرى تفاصيلها كاملة. التفاصيل التي كانت غائبة في القرب تصبح حاضرة في البعد. الحنين يحول المكان الجغرافي إلى كيان شعري نابض، إلى أسطورة شخصية تتنفس.
في «هكذا غنى السندباد» و«بيني وبين البحر»، نجد اغترابًا من نوع خاص؛ ليس اغتراب الشكوى والبكاء على الأطلال، ولا غربة الرفض والتمزق. بل اغتراب المكتشف الذي يحمل وطنه معه أينما ذهب، كحلزون يحمل بيته فوق ظهره.
السندباد المصري لم يكن هاربًا؛ كان يسافر ليرى العالم من زواياه المختلفة، ثم يعود ليقول لأهله: «هناك ما هو أبعد من البحر». الاغتراب هنا وسيلة للاتصال الأعمق، لا انقطاع. جدلية الحضور والغياب هذه تستحق أن نقف عندها طويلًا، فهي من أعمق ما في تجربة هذا الشاعر.
موقف صعب
في زمن الاستقطاب الحاد، وقف عبد المنعم عواد يوسف في المنتصف. «الحداثة المعتدلة» موقف لا يرضي أحدًا؛ الحداثيون المتطرفون يتهمونك بالتقليدية والتردد. التقليديون يتهمونك بالخروج على التراث والتمرد على الأصول. أنت وحدك في المساحة الوسطى، بين نار وجليد، بين مطرقة وسندان!.
لكنه كان مقتنعًا أن القصيدة يجب أن تكون جميلة أولًا. نعم، تحمل همًا إنسانيًا ووطنيًا، لكنها قبل ذلك شعر. فالشعر الذي يتحول إلى خطبة سياسية يتوقف عن أن يكون شعرًا، ويسقط من مملكة الفن إلى مستنقع الشعارات. وفي الوقت نفسه، كان يرفض أن تتحول القصيدة إلى ألغاز لا يفهمها إلا كاتبها، أو إلى متاهة لا يهتدي فيها قارئ. الغموض ليس شرطًا للعمق. الصورة الشعرية يمكن أن تكون مدهشة دون أن تكون مبهمة، ويمكن أن تحفر في الوعي دون أن تستعصي على الفهم. هذا الموقف يتطلب شجاعة من نوع خاص؛ شجاعة أن تقف في المنتصف في زمن يريدك أن تختار طرفًا، وأن تبقى على قناعاتك حين يبيع الجميع قناعاتهم في سوق الضجيج.
لماذا لم ينل ما يستحقه؟
سؤال لا بد منه في هذا السياق، لقد حصل عبد المنعم عواد يوسف على جائزة الدولة التشجيعية، وكتب عنه كتاب تذكاري بعد رحيله. لكن هذا لا يكفي، ولا يقارب حد الكفاية!. هل المشكلة في أن حركة النقد العربي كثيرًا ما تشبه قطيعًا يتحرك نحو الأسماء نفسها، بعيون مغمضة وخطوات مبرمجة. شعراء موضة يتكدس حولهم النقاد كالفراش حول المصباح، وشعراء آخرون يظلون في الهامش، في الظل، في النسيان، لماذا؟!.
عبد المنعم عواد يوسف من الفئة الثانية. والمشكلة ليست في الشاعر وحده. هي في تقديري ، مشكلة القارئ أيضًا، فالقارئ الذي لم يقرأ هذا الشاعر لم يكتشف بعد صوتًا شعريًا يستحق أن يسمع، وتجربة تستحق أن تروي . وهنا تظهر مسئولية النقد الموضوعي الجاد أن يوسع دائرة الضوء لتشمل من يستحقون، لا من يفرضهم الإعلام وحده، ولا من تحيط بهم الدعاية من كل جانب!.
الإنسان قبل الشاعر
شيء نادر في عالم الأدب أن يكون الإنسان قبل الشاعر. أن تكون الطيبة قبل البلاغة، والتواضع قبل الشهرة. كان عبد المنعم عواد يوسف ودودًا، بشوشًا، قريبًا من تلاميذه وأصدقائه، يسمع لهم كما يقرأ لهم، ويحتفي بهم كما يحتفي بنصوصه، لم تكن الشهرة هدفًا، ولم يكن الأنا المتضخم من سماته، كان يشبه قصائده، هادئًا، عميقًا، بعيدًا عن الصخب، قريبًا من القلب.
في وقت كان فيه بعض الأدباء نجومًا أكثر منهم مبدعين، ونجومية مصنوعة أكثر منهم إبداعًا أصيلا، يظل عبد المنعم عواد يوسف عملة نادرة، تزداد قيمتها كلما مر الزمن، وكلما اكتشف الناس أن البريق الزائف يخفت والجوهر الحقيقي يبقى.
ماذا بقي؟
بقي الشعر. وهذا يكفي. بل هذا كل شيء.
بقي «عناق الشمس»، و«أغنيات طائر غريب»، و«للحب أغني»، و«الضياع في المدن المزدحمة»، و«كما يموت الناس مات»، و«بيني وبين البحر»، و«المرايا والوجوه». بقيت كلمات كتبها رجل آمن بأن الشعر يمكن أن يكون وسيلة للحرية، وسلاحًا لمقاومة القهر، وملاذًا للحنين، وطريقًا للخلاص.
وكما يموت الناس مات.
نعم. مات كما يموت الناس، لكن الفرق أن موته لم يكن نهاية الحكاية، فالشعراء المبدعون لا يموتون تمامًا. يتركون كلماتهم كأثر أقدام في رمل الزمن، ويرحلون. وحين يلمس هذه الكلماتِ قارئ في المستقبل، ستعيده للحياة من جديد، ستبعثه من رماده، ستخرجه من غيابه إلى حضرته.
لأن هذا هو السحر الوحيد الذي يملكه المبدعون؛ أن يؤجلوا الموت قليلًا. أن يخدعوا النسيان. أن يتركوا خلفهم ما يجعل الغرباء القادمين من زمن بعيد يتوقفون لحظة ويقولون: «كان هنا رجل يستحق أن نتذكره».
رحم الله عبد المنعم عواد يوسف.. سندباد الشعر العربي الذي أبحر كثيرًا، وعاد إلينا بالكلمات.