قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بلال قنديل يكتب: هدنة

بلال قنديل
بلال قنديل

نحتاج أحيانًا إلى هدنة.. ليس لأننا خسرنا المعركة، ولا لأننا لم نعد نملك القدرة على الاستمرار، ولكن لأن الإنسان مهما بدا قويًا يرهقه طول الطريق، ويحتاج في لحظة ما أن يضع كل ما يحمله جانبًا، ويجلس قليلًا مع نفسه، دون أن يطلب منه أحد شيئًا، ودون أن يضطر إلى تفسير صمته أو تبرير تعبه.

نحتاج هدنة في علاقاتنا.

هدنة مع من نحبهم عندما يصبح الكلام كثيرًا والفهم قليلًا، وعندما تتحول التفاصيل الصغيرة إلى خلافات كبيرة، ويصبح كل طرف مشغولًا بإثبات أنه على حق أكثر من أن يكون حريصًا على بقاء الود.

نحتاج أن نتوقف أحيانًا، لا لننهي العلاقة، ولكن لننقذها.

أن نبتعد خطوة حتى نرى الصورة كاملة، وأن نصمت قليلًا حتى لا نقول كلامًا نندم عليه، وأن نترك مساحة لمن أمامنا حتى يستعيد هدوءه، ونستعيد نحن قدرتنا على الفهم.

فالهدنة ليست نهاية.

الهدنة فرصة لالتقاط الأنفاس.

ونحتاج هدنة مع الحياة نفسها.

فالحياة لا تتوقف من أجل أحد، وكل يوم يحمل شيئًا جديدًا من المسؤوليات والضغوط والأخبار والمواقف والأشخاص، وفي وسط كل هذا نجد أنفسنا نركض طوال الوقت دون أن نسأل أنفسنا: إلى أين؟

نركض من أجل العمل، ومن أجل البيت، ومن أجل الأبناء، ومن أجل الناس، ومن أجل أشياء كثيرة، حتى ننسى أنفسنا.

ثم نستغرب لماذا نشعر بالتعب.

لماذا لم تعد الأشياء التي كانت تسعدنا قادرة على إسعادنا؟

لماذا أصبحنا نبحث عن مكان هادئ أكثر من بحثنا عن شيء جديد؟

ربما لأننا لم نعطِ أنفسنا حقها في الهدنة.

نحتاج هدنة حتى من محاولاتنا المستمرة لأن نكون أفضل في نظر الجميع.

هدنة من إرضاء الناس.

هدنة من المقارنات.

هدنة من تفسير كل شيء.

هدنة من التفكير في كل كلمة قيلت لنا، ومن تحليل كل موقف، ومن محاولة معرفة ماذا يقصد هذا، وماذا كان يريد ذاك.

نحتاج أن نقول لأنفسنا مرة واحدة على الأقل:

كفاية.

ليس عليك أن تحل كل شيء اليوم.

ليس عليك أن تفهم كل شيء الآن.

ليس عليك أن تكون قويًا طوال الوقت.

حتى مع أنفسنا نحتاج هدنة.

نحتاج أن نسامح أنفسنا على أخطاء قديمة، وأن نتوقف عن معاقبة أنفسنا على قرارات اتخذناها في وقت لم نكن نملك فيه كل ما نعرفه اليوم.

نحتاج أن ننظر إلى أنفسنا برحمة.

فليس من العدل أن نطلب من إنسان أن يسامحنا، بينما نحن لا نستطيع أن نسامح أنفسنا.

الهدنة ليست هروبًا من الحياة.

هي استراحة قصيرة حتى نستطيع أن نعود إليها بقلوب أهدأ وعقول أكثر وضوحًا.

قد تكون الهدنة كوب قهوة في مكان هادئ.

أو مشوارًا بلا هدف.

أو ساعة بلا هاتف.

أو جلسة مع شخص نشعر معه أننا لسنا مضطرين للشرح.

وقد تكون مجرد لحظة نغلق فيها باب العالم، ونقول لأنفسنا:

أنا متعب.

وسوف أرتاح.

دون شعور بالذنب.

فبعض المعارك لا تحتاج إلى انتصار.

بعضها يحتاج فقط إلى أن نتوقف عن القتال.

وبعض العلاقات لا تحتاج إلى كلمة أخيرة.

تحتاج إلى مساحة.

وبعض الأيام لا تحتاج إلى إنجاز جديد.

تحتاج فقط إلى أن تمر بسلام.

نحن لا نحتاج دائمًا إلى بداية جديدة.

أحيانًا نحتاج فقط إلى هدنة.

هدنة مع من حولنا.

هدنة مع الحياة.

وهدنة أكبر مع أنفسنا.

حتى نعود مرة أخرى.

ليس كما كنا.

ولكن أكثر هدوءًا.

أكثر فهمًا.

وأكثر رحمة بأنفسنا وبمن حولنا.