قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عادل نصار يكتب: صوت القاهرة يعلو في الأمم المتحدة.. مصر تضع قضايا المنطقة أمام العالم

الكاتب الصحفي عادل نصار
الكاتب الصحفي عادل نصار

حين تضيق خرائط الشرق الأوسط تحت وطأة الحروب، وتتقاطع فوق سمائه سحب الأزمات والصراعات، يظل هناك صوت لا يمكن تجاوزه ودولة لا يمكن أن تغيب عن المشهد عندما تُفتح الملفات الكبرى على طاولة المجتمع الدولي؛ إنها مصر، التي دخلت أروقة الأمم المتحدة وهي تحمل ثقل تاريخها وموقعها ودورها، وتضع أمام العالم قضايا تمس قلب المنطقة ومستقبلها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقطاع غزة وأمن الشرق الأوسط ونزع أسلحة الدمار الشامل. 

ومن قلب نيويورك، بدا الحضور المصري وكأنه امتداد لصوت المنطقة، يؤكد أن ما يحدث في غزة ليس أزمة معزولة، وأن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جذور الصراع، وإرساء أسس سياسية عادلة ومستدامة، لتؤكد القاهرة من جديد أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُكتب بعيدًا عن مصر ودورها المحوري.

لم تكن مشاركة مصر في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد حضور دبلوماسي عابر في مشهد دولي مزدحم، وإنما جاءت في توقيت بالغ الحساسية، تفرض فيه التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط حسابات جديدة، وتتقاطع فيه الأزمات الإقليمية مع المصالح الاستراتيجية للدول والقوى الكبرى.

دخلت مصر أروقة الأمم المتحدة وهي تحمل أجندة تتجاوز حدود المشاركة في الجلسات وإلقاء الكلمات، لتطرح أمام المجتمع الدولي مجموعة من الملفات التي تمس صميم أمن المنطقة ومستقبلها، وفي مقدمة هذه الملفات تأتي أزمة قطاع غزة، وما يرتبط بها من ضرورة وقف المعاناة الإنسانية، وإعادة الإعمار، وتهيئة الطريق أمام حل سياسي يعالج جذور الأزمة ولا يكتفي بالتعامل مع تداعياتها.

لكن الحضور المصري في الأمم المتحدة لا يتوقف عند القضية الفلسطينية وحدها، فهناك ملفات أخرى ظلت القاهرة تطرحها بصورة منتظمة باعتبارها جزءًا من رؤيتها لأمن الشرق الأوسط واستقراره، يأتي في مقدمتها مطلب إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وجميع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، باعتبار أن استمرار انتشار هذه الأسلحة أو احتمالات امتلاكها يمثل تحديًا مباشرًا للأمن الإقليمي.

وفي هذا السياق، تواصل مصر الدفع باتجاه كسر حالة الجمود التي تحيط بملف إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، وتطرح ضرورة التعامل مع جميع دول المنطقة ضمن إطار واحد يقوم على الالتزامات الدولية وعدم انتشار الأسلحة النووية، إلى جانب إخضاع المنشآت النووية للضمانات والتفتيش الدولي وفق الأطر والاتفاقيات ذات الصلة.

وهكذا، تعكس المشاركة المصرية في الأمم المتحدة تصورًا أوسع لدور القاهرة في محيطها الإقليمي؛ فالقضية الفلسطينية، وإعادة إعمار غزة، ونزع أسلحة الدمار الشامل، ليست ملفات منفصلة في الرؤية المصرية، وإنما حلقات متصلة بأمن المنطقة ومستقبلها، ومن على المنصة الدولية، تحاول مصر أن تضع هذه القضايا أمام المجتمع الدولي باعتبارها تحديات تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وليس مجرد بيانات وتصريحات تتكرر عامًا بعد آخر.

من قلب المشهد الدولي، جاءت كلمة مصر أمام الأمم المتحدة لتضع القضية الفلسطينية في إطارها الأوسع؛ ليس باعتبارها أزمة عابرة يمكن احتواؤها بتهدئة مؤقتة، وإنما باعتبارها قضية سياسية ممتدة يرتبط حلها بإنهاء جذور الصراع وإقرار حقوق الشعب الفلسطيني. 

وفي هذا السياق، حملت كلمة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، رسائل تعكس ثبات الموقف المصري في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا.

مدبولي تحدث أمام المجتمع الدولي انطلاقًا من رؤية مصرية ترى أن استمرار دائرة الحرب لن يقود المنطقة إلى الاستقرار، وأن التعامل مع تداعيات الصراع وحدها لن يكون كافيًا، فالمطلوب، وفق الرؤية المصرية، هو فتح الطريق أمام حل سياسي حقيقي يعالج أصل الأزمة، ويضع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية في صدارة أي تحرك دولي جاد، بما يتوافق مع القرارات والمرجعيات الدولية.

وفي هذا الطرح، لا تفصل مصر بين وقف المعاناة الإنسانية وبين الوصول إلى التسوية السياسية؛ فوقف إطلاق النار وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها تمثل خطوات ضرورية، لكنها لا تنهي الصراع بمفردها، ومن هنا تبرز أهمية توفير البيئة المناسبة لإعادة إعمار غزة، بالتوازي مع تحرك سياسي قادر على نقل المنطقة من دائرة المواجهات المتكررة إلى مسار أكثر شمولًا واستدامة.

وتؤكد الرسالة المصرية أن السلام الحقيقي لا يصنعه توقف مؤقت للقتال، ولا ترتيبات منفصلة عن أصل القضية، وإنما يبدأ عندما تتوافر إرادة سياسية لمعالجة أسباب الصراع ووضع أسس واضحة لتسوية نهائية، لذلك تضع مصر حل الدولتين باعتباره أحد المحاور الرئيسية لأي مسار يستهدف تحقيق الاستقرار، مع التأكيد على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وضرورة الوصول إلى تسوية تستند إلى قواعد القانون والشرعية الدولية.

وفي مشهد لافت داخل أروقة الأمم المتحدة، شهدت كلمة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، مغادرة عدد من الوفود قاعة الجمعية العامة، في تعبير سياسي عن حجم الاعتراض الدولي على السياسات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة والقضية الفلسطينية، ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه نتنياهو مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية منذ نوفمبر 2024، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب وتوجيه هجمات ضد السكان المدنيين.

ويظل نتنياهو، رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، في قلب المواجهة السياسية والقانونية الدولية المرتبطة بالحرب على غزة، بينما تتزايد الدعوات الدولية لوقف الحرب وحماية المدنيين وفتح الطريق أمام تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، وقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت أعمالًا وصفتها بأنها تشكل إبادة جماعية في غزة، بينما رفضت إسرائيل هذه النتائج والاتهامات. 

وفي ظل هذه التطورات، باتت مشاركة نتنياهو في المحافل الدولية محل مواجهة سياسية وقانونية متواصلة، تعكس اتساع الخلاف الدولي حول الحرب ومستقبل المنطقة، 

وفي ختام هذا الحضور المصري، تبدو القاهرة وهي تؤكد من جديد أن قوتها لا تقاس فقط بما تملكه من أدوات سياسية أو دبلوماسية، وإنما بقدرتها على الحضور عندما تتعقد الأزمات، والتحدث عندما تتعدد الأصوات، والدفاع عن رؤيتها لقضايا المنطقة أمام المجتمع الدولي.

فمن الأمم المتحدة إلى قلب الشرق الأوسط، تواصل مصر أداء دورها باعتبارها دولة محورية، تضع أمن المنطقة والقضية الفلسطينية في مقدمة أولوياتها، وتتمسك بأن مستقبل الشرق الأوسط لن تصنعه الحروب وحدها، وإنما تصنعه أيضًا إرادة سياسية قادرة على إنهاء الصراعات، وحماية الشعوب، وإرساء أسس سلام عادل ومستدام.