عزيزي القارئ، تعلم أن في الحياة، لا يكفي أن تعرف قواعد اللعبة، بل عليك أن تفهم طقوسها، لأن من لا يفهم ما وراء الكلمات قد يجد نفسه يؤدي دورا لم يختره، في معركة لم يبدأها، وعلى قواعد لم يضعها. وهذه هي الحكاية.
فالحياة لا تسير دائما بما يقال صراحة، وإنما كثيرا ما تبدأ تفاصيلها من خلف الكلمات، من نظرة أو نبرة صوت أو سؤال يبدو بريئا أو تعليق عابر أو صمت مقصود. تفاصيل صغيرة قد لا ننتبه إليها في لحظتها، لكنها مع الوقت تكشف اتجاه الموقف، وتحدد من يقود الحوار ومن يكتفي برد الفعل. وفي المجال المهني تحديدا، تصبح قراءة هذه التفاصيل جزءا من الذكاء، لأن الخلاف المهني لا يبدأ دائما بخلاف حقيقي، وإنما قد يبدأ بكلمة أو سؤال أو تعليق في اجتماع، ثم تأتي النظرة، ثم نبرة الصوت، ثم محاولة وضعك في موقف دفاع. فإذا غضبت بدأت الدائرة، وإذا بدأت تبرر اتسعت، وإذا تركت أصل الموضوع وبدأت تدافع عن نيتك وشخصيتك فقد دخلت إلى المساحة التي اختارها لك الطرف الآخر. وهنا تكمن الخطورة، لأن الإنسان في لحظة الغضب لا يشعر أنه دخل لعبة، بل يشعر فقط أنه يدافع عن نفسه. وبعض الناس لا يريدون منك إجابة بقدر ما يريدون رد فعل، لا يريدون أن يعرفوا ماذا حدث، وإنما يريدون أن يروا ماذا ستفعل عندما يقولون لك: «أنت السبب»، أو «أنت تقصد ذلك»، أو «أنت ترى نفسك أفضل منا». فتبدأ في الشرح، ثم التبرير، ثم الدفاع، وفي لحظة تكتشف أن الموضوع الذي بدأ منه الكلام لم يعد موجودا أصلا. وليس كل خلاف سببه الموضوع الظاهر أمامنا، أحيانا يكون الموضوع مجرد بداية، لكن ما يحدث بعد ذلك هو الذي يصنع المعركة، كلمة محسوبة، سؤال عابر، تلميح مقصود، اتهام مغلف، معلومة ناقصة أو تجاهل متعمد. وأحيانا لا تكون المشكلة في الإجابة الخاطئة، وإنما في أنك أجبت عن سؤال لم يطرح أصلا.
فقد يكون السؤال الظاهر عن واقعة، بينما الهدف الحقيقي اختبار رد فعلك، أو دفعك إلى كشف ما لا تريد قوله، أو نقلك من مناقشة الموضوع إلى الدفاع عن نفسك. وهنا يصبح فهم السؤال الحقيقي أهم من سرعة الإجابة. وأول طقوس الاستدراج أن يستفزك أحدهم فتغضب، ثم يتهمك فتدافع عن نفسك، ثم يشكك في نيتك فتترك الموضوع وتبدأ في شرح نفسك. وبعدها يرتفع صوته فترفع صوتك، ثم يقول كلمة أقسى فترد بأقسى منها، وفجأة يختفي الموضوع الأصلي ويصبح السؤال من قال ماذا، ومن أخطأ في حق من، ومن كان صوته أعلى. وهنا يكون الاستدراج قد نجح، لأن أخطر ما في صراعات العمل ليس أن يختلف معك أحد، وإنما أن تدخل الصراع بالشروط التي حددها لك. يريدك أن تغضب فتغضب، يريدك أن تبرر فتبرر، يريدك أن تتحدث كثيرا فتتحدث، وبمجرد أن تفعل يتحول مركز القضية من ماذا حدث إلى لماذا انفعَلت. وهنا تكون قد خسرت أول جولة دون أن تشعر. عزيزي القارئ، خذ مثالا بسيطا. يقول لك أحدهم أمام الآخرين: «أنت السبب في التأخير». قد يكون ردك الطبيعي: «أنا؟ لدي الرسائل التي تثبت أن البيانات وصلت متأخرة».
وهنا تبدأ الملفات القديمة، وتتشعب التفاصيل، وتضيع القضية الأصلية. لكن ماذا لو قلت بهدوء: «دعنا نراجع المطلوب وتوقيتاته ونحدد أين حدث التأخير». أنت لم تتنازل عن حقك، ولم تعترف بخطأ لم ترتكبه، وإنما أعدت الحديث إلى الحقيقة. وهذا هو الفرق بين أن تدخل المعركة وأن تفهم ما يجري فيها. وقد يكون الاستدراج أكثر وضوحا في حوار قصير. «لدي مستند». «هل تشكك في كلامي؟». «دعنا نرجع إلى اللائحة». «هل ترى أنني مخطئ؟». «دعنا نحل المشكلة». «واضح أنك ترى نفسك أفضل منا». وفجأة تجد نفسك في محكمة نفسية والمتهم فيها أنت. ومثال آخر. يسألك مديرك: «لماذا تأخر التقرير؟» فتبدأ في شرح يومك كله، بينما الإجابة قد تكون ببساطة: «تأخر التقرير لأن البيانات وصلت متأخرة وتم الانتهاء منه الآن». انتهى الموقف. هنا تظهر ثقافة الاستدراج، أن تدفعك إلى الحديث أكثر مما ينبغي حتى تقول ما لا تريد، أو تنفعل بما لا يليق، أو تمنح الآخرين فرصة لتحويل القضية من موضوع مهني إلى موقف شخصي. لكن هناك طقسا آخر أكثر هدوءا، وهو أن يجعلك الطرف الآخر تشرح ما لم يُطلب منك شرحه. وكلما شرحت أكثر، فتحت مساحات أكبر للتفسير والتأويل، وربما خرج الحوار من الحقيقة إلى النوايا، ومن الوقائع إلى الانطباعات.
لذلك ليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله في اللحظة نفسها، وليس كل ما تستطيع شرحه يجب أن تشرحه. أحيانا تكون الإجابة الدقيقة أقوى من الشرح الطويل. ومن هنا يأتي الفرق بين من يريد حل المشكلة، ومن يريد تسجيل موقف. فهناك حوار هدفه الوصول إلى حل، وحوار هدفه إثبات أن شخصا أخطأ، وحوار قد يكون هدفه أن يصنع أمام الآخرين رواية معينة عن الموقف. والذكاء ليس فقط في أن تعرف ماذا تقول، وإنما أن تعرف: ما الذي يريد هذا الحوار أن يصل إليه؟ ومن هنا يأتي الذكاء الوظيفي، لا باعتباره مجرد مهارة في أداء العمل، وإنما باعتباره قدرة على قراءة المواقف، وفهم الأشخاص، وتقييم الكلام، ومعرفة متى يكون الحوار حوارا حقيقيا ومتى يتحول إلى استدراج. والذكاء الوظيفي أن تعرف متى تتكلم، وماذا تقول، ومتى توثق، ومتى تحول التوثيق إلى إجراء، ومتى تناقش، ومتى تضع حدا للحوار. وحاذر إذا دخل الكلام في النوايا والشخصنة، فلا تدافع عن نفسك في ملعب لم تختره، وإنما ارجع إلى الموضوع نفسه. وإذا خرج الحوار عن حدوده فانسحب بهدوء. يمكنك أن تقول: «عندما نتمكن من الحديث في الموضوع نفسه بهدوء نكمل». وانتهى. لأن هناك فرقا كبيرا بين أن يختلف شخص معك في رأي أو قرار أو إجراء، وبين أن يحاول تحويل الخلاف إلى وصف لشخصيتك.
قد يبدأ النقاش حول تقرير، ثم يصبح: أنت دائما تفعل، وأنت لا تحترم، وأنت ترى نفسك أفضل. وهنا لم يعد الخلاف حول التقرير، وإنما أصبح محاولة لوضعك داخل صورة لم تخترها لنفسك. عزيزي القارئ، لا تشرح أكثر، ولا تدخل في معركة لإثبات أنك محترم أو أمين أو مخلص، فالإنسان الذي يعرف نفسه لا يحتاج في كل موقف إلى أن يقدم شهادة حسن سير وسلوك عن نفسه. والعمل الحقيقي في النهاية له لغة مختلفة، نتيجة وإنجاز ومستند وقرار ومسؤولية. وفي كل بيئة عمل هناك قواعد مكتوبة يعرفها الجميع، وهناك قواعد أخرى غير مكتوبة، لا تجدها في لائحة ولا في قرار، لكنها تظهر في طريقة الكلام، وفي توقيت السؤال، وفيمن يتحدث أمام من، وفيمن يختار الصمت، وفيمن يختار أن يفتح الموضوع في اجتماع لا في حديث خاص. وهذه القواعد غير المكتوبة تحتاج إلى وعي لا إلى خوف. ففهم اللعبة لا يعني أن تصبح لاعبا شرسا، وإنما يعني أن ترفض أن تكون ورقة في يد غيرك. وهنا يمكن أن نفهم المعنى بصورة أكبر من واقع واضح، سيناء.
فقد عرفت هذه الأرض لسنوات طويلة مواجهة جماعات إرهابية استهدفت أمنها واستقرارها، لكن التعامل مع الخطر لم يتوقف عند رد الفعل، ولم يكن الهدف مجرد إخماد المشكلة ثم العودة إلى نقطة الصفر، وإنما كان التعامل أوسع، مواجهة الإرهاب، وتأمين الأرض، ثم فتح الطريق أمام التنمية والبناء والإعمار والاستثمار. وهنا تصبح سيناء مثالا واضحا على أن إدارة الأزمات الحقيقية لا تقوم على الانفعال، وإنما على قراءة الخطر وتحديد أسبابه ومواجهته، ثم تحويل الأرض التي كانت مسرحا للخطر إلى أرض للعمل والحياة والتنمية. وهذه هي الفكرة نفسها التي نحتاج أن نفهمها في حياتنا المهنية. فإذا كان هناك من يحاول أن يستدرجك إلى معركة جانبية، فلا تجعل غضبك هو الذي يدير الموقف، ولا تسمح لمن أشعل المشكلة أن يحدد لك طريقة التعامل معها. واجه أصل المشكلة، واحفظ حقك، واستخدم أدواتك، ثم انقل الموقف من دائرة الصراع إلى دائرة الحل.
ومن هنا تأتي أهمية التقييم. قبل أن ترد، قيم الموقف. هل أمامك اختلاف مهني حقيقي أم محاولة لاستفزازك؟ هل الشخص يريد حلا أم يريد استنزافك؟ هل السؤال يحتاج إلى إجابة أم يحتاج إلى توثيق؟ هل المواجهة ستصلح شيئا أم ستمنح المشكلة مساحة أكبر؟ وهل الوقت مناسب للرد، أم أن الانتظار قليلا سيجعلك ترى الصورة بصورة أوضح؟ هذه الأسئلة ليست هروبا من المواجهة، وإنما هي عين القوة، لأن الإنسان الذكي لا يخوض كل معركة لمجرد أنه يستطيع خوضها. وأحيانا يكون الصمت جزءا من الفهم، وليس علامة على العجز. فهناك صمت خوف، وصمت حكمة، وصمت مراقبة، وصمت يمنحك الوقت لتعرف ما الذي يحدث قبل أن تختار موقفك. وليس كل صمت تراجعا، كما أن ليس كل كلام قوة. انتبه! الهدوء هنا ليس ضعفا، بل أداة من أدوات السيطرة على الموقف. فمن يفقد أعصابه يفقد جزءا من قدرته على رؤية الصورة كاملة، أما من يحافظ على هدوئه فيعرف أين يضع الكلمة، وأين يضع المستند، وأين يضع الحد، ومتى ينهي الحوار. فالهدوء النفسي ليس أن تخلو حياتك من الاستفزاز، وإنما أن تملك نفسك عندما يأتي الاستفزاز. والغضب لا يعاقب دائما الشخص الذي تسبب فيه، أحيانا يقول من استفزك كلمته ويمضي، بينما تحمل أنت كلمته معك إلى مكتبك وبيتك ونومك. هو قالها في دقيقة، وأنت عشتها ساعات.
فمن الذي دفع الثمن؟ أنت. ولهذا، ليس كل شخص أمامك خصما، وليس كل اختلاف عداء. قد يكون زميلك مختلفا معك في الرأي، أو يرى جزءا من الصورة لا تراه أنت، وقد تكون لديه نقطة صحيحة. فإذا وجدت لديه نقطة صحيحة فقلها بلا تردد: «أنت على حق في هذه النقطة». وإذا اكتشفت أنك أخطأت فلا تخف من قول: «لقد أخطأت وسأصلح الخطأ».
فالاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، والهروب منه هو الذي قد يحول خطأ صغيرا إلى مشكلة كبيرة. أما إذا اكتشفت أن الطرف الآخر لا يريد حلا، وإنما يريد استنزافك، فلا تمنحه ما يبحث عنه. وثق ما يحتاج إلى توثيق، ورد بما يحتاج إلى رد، واصمت حين يكون الصمت أكثر ذكاء، لأنك في النهاية لست مطالبا بأن تكسب كل جدال، وإنما أنت مطالب بألا تخسر نفسك وأنت تحاول أن تكسبه. وتذكر أن أخطر ما يمكن أن تخسره ليس الجولة، وإنما صورتك أمام نفسك. فقد تكسب نقاشا وتخسر احترامك لنفسك بسبب كلمة قلتها في غضب، وقد تخسر نقاشا، لكنك تخرج منه محتفظا بكرامتك وهدوئك. والانتصار الحقيقي ليس دائما أن يكون لك آخر رد، وإنما أن تخرج من الموقف دون أن تفقد نفسك.
وكعهدكم بي، هناك قاعدة تستحق أن تتعلق أمام عينك: «إذا استطاع شخص أن يتحكم في أعصابك، فقد امتلك مفتاحا من مفاتيحك، فلا تعطه المفتاح». تعلم، وراقب، وقيم، ولا تتعجل الحكم على الأشخاص أو المواقف. أتقن الذكاء الوظيفي، وافهم ثقافة الاستدراج، وتعلم كيف تقرأ ما وراء الكلمات، وحافظ على هدوئك النفسي. فليس المطلوب أن ترد على كل شيء، ولا أن تثبت نفسك في كل موقف، وإنما أن تعرف ما يستحق ردك، وما يستحق توثيقك، وما يستحق أن تتركه يمر. وفي النهاية، ليست القوة في أن ترفع صوتك، ولا في أن تكون صاحب الكلمة الأخيرة، ولا في أن تنتصر في كل مواجهة. القوة الحقيقية أن تظل مالكا لنفسك حين يحاول غيرك أن يفقدك إياها، أن تعرف متى تتكلم دون أن تستدرج، ومتى تصمت دون أن تنهزم، ومتى تواجه دون أن تنفعل، ومتى تنسحب دون أن تشعر أنك خسرت. فلكل لعبة طقوس، لكن أخطر ما فيها أن تتحول من لاعب يختار خطواته إلى قطعة يحركها غيره. لذلك، افهم ما يدور حولك، واقرأ الموقف جيدا، واحفظ حقك، وحدد موقفك، لكن لا تمنح أحدا حق التحكم فيك. لا تكن رد فعل في حياة من يريد استفزازك، كن أنت صاحب القرار في كل خطوة.
واعرف أن معرفة اللعبة لا تعني أن تشك في الجميع، ولا أن ترى كل اختلاف مؤامرة، ولا أن تدخل كل موقف بعقلية المعركة. وإنما تعني أن تملك الوعي الذي يجعلك تفرق بين الخلاف والاستدراج، وبين النصيحة والاستفزاز، وبين الحوار الحقيقي ومحاولة استنزافك، وبين الاعتراف بالخطأ والتنازل عن الحق. اعرف طقوس اللعبة، افهم قواعدها، واقرأ قواعدها غير المكتوبة، وأتقن الذكاء الوظيفي، وتعلم ثقافة الاستدراج والتقييم، واعرف نفسك قبل أن تحاول قراءة غيرك، واحفظ هدوءك النفسي، ثم اختر معاركك بعقلك، لا بانفعالك. ففي النهاية، ليست البطولة أن تكسب كل لعبة، وإنما أن تعرف جيدا ما يستحق أن تكون جزءا منه، وما لا يستحق حتى مجرد تذكره… العبها صح، لتجني الحصاد المطلوب.