لا تقتصر مقاييس الدول المتقدمة في إدارة ثرواتها النفطية على لغة الأرقام الحسابية وحدها؛ بل تتبنى رؤية عملية شاملة تظهر مسؤوليتها الواجبة تجاه ظاهرة التناقص الطبيعي لكفاءة حقولها وآبارها بمرور الزمن. ومن هنا، ترتكز استراتيجيتها الدقيقة على تحويل التحديات الجيولوجية إلى فرص قوية عبر توظيف التقنيات العلمية المتاحة والمستحدثة عالمياً، كالتكسير الهيدروليكي وتقنيات المسح المتقدمة وتنويع الشراكات، لضمان الحفاظ على مسار إنتاجي تصاعدي ثابت وواعد.
وبالنظر لهذا النهج المشار إليه، نجد أن قطاع البترول المصري نجح بالفعل في تسوية الالتزامات المالية تجاه شركاء الاستثمار بالكامل، والوصول إلى «صفر مستحقات»، وبناء نسق استثنائي من الإنجاز وإحداث طفرات وطنية جديرة بالذكر؛ إذ استعرض الوزير المهندس كريم بدوي منذ بضعة أيام خلال اجتماع مجلس إدارة الهيئة العامة للبترول، واعتماد نتائج أعمال 2025/2026 بحضور وزراء الكهرباء والتنمية المحلية والبيئة والاستثمار، ثماراً يانعة لجهود العاملين بالقطاع. تتمثل في الوصول إلى 63 كشفاً جديداً؛ هي حصيلة 48 للزيت الخام و15 كشفاً للغاز، مدعومة باستثمارات ضخمة في مجالي البحث والإنتاج بلغت نحو 4.5 مليار دولار، وإبرام 8 اتفاقيات بحد أدنى استثماري يصل إلى 377 مليون دولار، إلى جانب عقد 9 اتفاقيات لتنمية الحقول.
ولم يتوقف هذا المد التنموي عند حدود الاستكشاف، بل امتد ليعانق كفاءة التشغيل الوطني؛ حيث ارتفعت نسب تشغيل معامل التكرير المصرية من 67% إلى أكثر من 80%، مما أفضى إلى تكرير نحو 28 مليون طن من الخام مقابل 25.3 مليون طن في العام السابق. وقد انعكس هذا التعظيم الاستثماري في تحقيق قفزة ملحوظة بإنتاج السولار والبنزين، فضلاً عن الاقتراب من إنجاز تاريخي ببلوغ نسبة التنفيذ في مجمع إنتاج السولار بأسيوط (أنوبك) نحو 90% تمهيداً لبدء تشغيله الفعلي مطلع العام القادم 2027، بما يضمن تغطية كاملة واكتفاءً تاماً لاحتياجات السوق المحلي.
وإذا كانت عجلة الإنتاج الكلي قد استعادت إيقاعها المتصاعد، فإن الرؤية الاستراتيجية لقطاع البترول لم تتوقف عند حدود الاستكشاف والتكرير التقليدي، بل لامست جغرافيا التنمية بصفة عامة عبر مسارات ثلاثة ترتكز على محاور: تعظيم الاستفادة من البنية الأساسية في المناطق القائمة، وتسريع وتيرة الأنشطة الاستكشافية بالمناطق الواعدة، وصولاً إلى تسويق الفرص الاستثمارية الجاذبة في مناطق بكر تمتد من جنوب الصحراء الغربية إلى البحر الأحمر وخليج السويس.
وفي مسار موازٍ، تتجلى الطفرة النوعية التي حققتها الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات (إيكم)، لتسجل لغة القيمة المضافة الحقيقية للاقتصاد الوطني؛ إذ بلغت صادراتها أسواق خمسين دولة محققة إيرادات بقيمة 2.6 مليار دولار من إنتاج وصل إلى 4.6 مليون طن، فضلاً عن خلق قيمة مضافة بلغت 1.6 مليار دولار بالاعتماد على خامات الغاز والبترول. وأخيراً، توجت الشركة هذه النجاحات بتنفيذ ثمانية مشروعات استراتيجية كبرى تستهدف توطين صناعة عشرين منتجاً جديداً حتى عام 2030 باستثمارات تبلغ عشرة مليارات دولار.
وعلى خطى الاستدامة البيئية والتحول الرقمي، تضافرت الجهود أيضاً لتنفيذ 16 مشروعاً لكفاءة الطاقة، تزامناً مع تأسيس صروح وطنية متخصصة مثل شركة الأنظمة الرقمية للطاقة، وتوطين صناعة طلمبات الوقود محلياً، وإحكام الرقابة عبر منظومات رقمية متطورة كمراقبة الخزانات وشبكات النقل.
ولعل السؤال الأبرز، عزيزي القارئ، الذي يجول بخاطرك هو: لماذا استعراض كل هذه الأرقام؟ والإجابة تبدأ باستبدال كلمة الأرقام بمؤشرات النجاح، وخصوصاً وسط ضبابية المشهد العالمي والضغوط الجيوسياسية وما تفرضه الصراعات المحيطة من قلق مشروع لدى المواطن المصري، وربما العربي بصفة عامة. لكن تأتي المؤشرات السابق ذكرها مقصودة وبكل هذا الكم الحسابي، لكي ندرك أننا نسعى بكل ما أوتينا من قوة لتأمين المشهد بسواعد أبنائنا.