قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: حين يتحول الاقتصاد إلى جبهة مواجهة رئيسية

ياسر إبراهيم عبيدو
ياسر إبراهيم عبيدو

تُمثّل الحروب الحديثة في جوهرها اختباراً قاسياً لمدى قدرة المجتمعات والدول على الصمود والمطاولة؛ إذ لم تعد ساحات المعارك مقتصرة على خطوط التماس العسكري وتماس الجيوش، بل امتدت لتشمل الشرايين الحيوية التي تبقي الدولة قادرة على البقاء. وتكشف المعطيات الميدانية والتحليلات الاقتصادية الأخيرة في الأزمة الأوكرانية عن تحول هيكلي حاسم في الاستراتيجية العسكرية الروسية، يتمثل في الانتقال الممنهج من "حرب التماس المباشر" إلى "حرب الخنق اللوجستي وتفكيك البنية الإنتاجية".
إن ضرب مراكز التوزيع السلعي، واستهداف مصانع الصلب، وتعطيل مسارات التصدير الزراعي والسكك الحديدية، ليست مجرد خيارات عسكرية عابرة، بل هي تطبيقات عملية لمفهوم "الإسقاط الاقتصادي"، الذي يستهدف قطع أوردة الحياة اليومية عن المجتمع، وتحويل الكلفة التشغيلية للدولة إلى عبء لا تستطيع الميزانيات الداخلية ولا المساعدات الخارجية تحمُّله على المدى الطويل.
أولاً: تفكيك "العمود الفقري" للإنتاج الصناعي
شكلت صناعة التعدين والصلب على مدى عقود طويلة الركيزة الأساسية للناتج المحلي الإجمالي وللصادرات الأوكرانية، فضلاً عن كونها الموفر الأول لفرص العمل في الإقليمين الشرقي والجنوبي الشرقي. غير أن الضربات الموجهة الأخيرة التي طالت أفران صهر الحديد في مجمعات كبرى مثل "ميتينفست" ومنشآت "أرسيلور ميتال" في "كريفي ريه" و"زابوريجيا" أدّت إلى شلل شبه كامل لهذه الصناعة الحيوية، بعدما كانت هذه المنشآت تُسهم بنحو تسعين بالمئة من الإنتاج الإجمالي للبلاد.
إن استهداف الأفران العالية والبنية الفنية التخصصية لمصانع الصلب يعكس دراسة دقيقة للخرائط الهندسية والإنتاجية، بهدف إحداث أضرار طويلة الأمد يتعذر معها استئناف التشغيل في المدى القريب. ويبدو هذا المنهج سائراً نحو حرمان الدولة من مواردها الذاتية من النقد الأجنبي، وتحويل القطاعات التي كانت تُغذّي الخزينة العامة إلى قطاعات معطلة تستنزف الموارد وتزيد من معدلات البطالة التراكمية.
ثانياً: شلل سلاسل الإمداد وتدمير القدرات التخزينية
تُظهر البيانات اللوجستية أن تدمير نحو 2.1 مليون متر مربع من المخازن الحديثة – من أصل خمسة ملايين متر مربع تشكل إجمالي القدرة التخزينية في البلاد – يُمثّل ضربة قاسية لشبكات التوزيع الداخلي. فالمخازن ومراكز التوزيع هي المحرك الفعلي للأسواق الحضرية؛ وتدميرها يتجاوز حدود الخسارة المادية للسلع إلى إحداث حالة من الارباك المزمن في سلاسل التوريد.
وقد انعكس ذلك بصورة ملموسة في ظهور شواغر على رفوف المتاجر الكبرى في العاصمة كييف ومدن أخرى لأول مرة منذ المراحل الأولى للعملية العسكرية. وحينما تعجز شبكات اللوجستيات عن إيصال الأغذية والأدوية والسلع الأساسية بانتظام، تتدحرج الضغوط الاقتصادية لتتحول إلى ضغوط اجتماعية ونفسية تؤثر على المعنويات العامة وتزيد من كلفة الإغاثة الإنسانية.
ثالثاً: حصار المنافذ وأزمة التصدير الزراعي
يُعدّ القطاع الزراعي الشريان الثاني للاقتصاد الأوكراني والأمن الغذائي العالمي. إلا أن القيود المجهزة على الملاحة في البحر الأسود، إلى جانب استهداف الموانئ النهرية على امتداد مسار الدانوب، أدت إلى انخفاض الصادرات الزراعية إلى نحو أربعين بالمئة فقط من طاقتها المعتادة.
وقد أجبر هذا الاختناق الشديد الشركات الزراعية على اعتماد حلول بديلة ومكلفة، مثل تخزين المحاصيل الحقلية في أكياس بلاستيكية ضخمة في الهواء الطلق، مما يعرّض المخزون الاستراتيجي للتلف وفقدان القيمة التجارية. ولا تتوقف آثار هذا الحصار عند حدود الخسائر المباشرة للمزارعين، بل تمتد لتُحدث فجوة تمويلية واسعة في الإيرادات العامة للدولة، وتُكبّد الاقتصاد خسائر تُقدّر بنسبة 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة تعطيل حركة التجارة البحرية.
رابعاً: عجز الموازنة وتكتيك "حرب الاستنزاف المتبادلة"
أمام هذه الخسائر المتلاحقة، تشير التقديرات الرسمية إلى خسارة نحو 1.5 مليار دولار من الإيرادات الضريبية المباشرة، مع اتساع الفجوة التمويلية في الميزانية العامة لتصل إلى ما يقارب 27 مليار دولار خلال العام الحالي. وفي مقابل هذه الاستراتيجية الخانقة، تسعى أوكرانيا إلى ممارسة تكتيك مماثل عبر إطلاق الطائرات المسيّرة بعيدة المدى لاستهداف المصافي ومخازن الوقود داخل العمق الروسي، بغية تقليص الإيرادات النفطية والضغط على صُنّاع القرار.
غير أن المعادلة الاقتصادية في حروب الاستنزاف الطويلة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحجم الكلي للاقتصاد وقدرته على الاستيعاب والتكيّف؛ فالاقتاصاد الأصغر حجماً والأكثر اعتاداً على الشرايين الخارجية يكون أكثر تأثراً بالضربات التي تمس بنيته التحتية اللوجستية والمجتمعية.
خلاصة تحليليّة
توضح تحولات المشهد الأوكراني أن "حرب الاستنزاف الاقتصادية" أضحت أداة رئيسية لحسم الصراعات الممتدة. إن تدمير المنشآت الصناعية الكبرى، وتفكيك شبكات التخزين والتوزيع، وتجميد الصادرات، مسارات تُفضي في نهايتها إلى إرهاق الخزينة العامة وجعل الدولة خالية من الموارد الذاتية.
وفي المقابل، فإن العبرة الحاكمة في إدارة الأزمات الاستراتيجية تكمن في بناء اقتصاد حربي مرن، يتكئ على تنويع سلاسل التوريد، وتأمين المخزونات الحيوية في نقاط موزعة جغرافياً، وحماية شبكات النقل والخدمات الأساسية؛ إذ تظل القدرة على استدامة الحياة اليومية وإدارة الموارد هي الجدار الأخير للتماسك والتأثير في الموازين الدولية.