قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. جمال القليوبي يكتب: أين تقع مصر في منظور خريطة نفوذ الطاقة الجديدة

د. جمال القليوبي - أستاذ هندسة البترول والطاقة
د. جمال القليوبي - أستاذ هندسة البترول والطاقة

لم يعد النفوذ في أسواق الطاقة يُقاس فقط بحجم ما تمتلكه الدولة من احتياطيات نفطية وغازية، بل بقدرتها على تأمين الإمدادات، وتنويع مسارات النقل، وتوفير التخزين والتكرير والإسالة والربط الكهربائي. وفي ظل اضطراب مضيق هرمز، واستهداف الحوثيين للبنية النفطية السعودية واستهداف ايران  لدول الخليج العربي وتهديد الملاحة في باب المندب، أصبحت الدولة المؤثرة هي التي تستطيع توفير البديل الآمن وقت الأزمات.

ومن منظور الخريطة الجديدة للعالم ، فان مصر تمتلك قوة جغرافية كبيرة قابلة للتحول إلى قوة اقتصادية عظمى؛ فهي تجمع في مساحة واحدة قناة السويس، وخطوط أنابيب سوميد، ومواني سواحلية على البحرين الأحمر والمتوسط، وموقعًا يتوسط الخليج وأوروبا وشمال أفريقيا، فضلًا عن محطات إسالة الغاز، وشبكة خطوط الغاز المحلية ، ومعامل التكرير والموانئ البترولية، وإمكانات ضخمة من الشمس والرياح، وفرص الربط الكهربائي مع آسيا وأفريقيا وأوروبا، إلى جانب سوق محلية واسعة وقاعدة صناعية وبشرية.

وتؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (IEA) أهمية مصر في تجارة النفط والغاز العالمية بسبب قناة السويس وخط سوميد، الذي تبلغ طاقته الحجمية نحو 3.5 مليون برميل يوميًا. كما ظلت مصر الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي تمتلك طاقة فعلية لتصدير الغاز المسال، ما يؤهلها لاستقبال غاز المنطقة ومعالجته وإسالته ثم توجيهه إلى الأسواق العالمية.

لكن هناك فارقًا كبيرًا بين امتلاك الموقع وتحويله إلى نفوذ. فالجغرافيا وحدها لا تكفي ما لم تدعمها إمدادات مستقرة، وسعات تخزين كبيرة، وعقود طويلة الأجل، وقدرة تمويلية، ومنشآت تتمتع بالحماية والكفاءة التشغيلية.

تمثل قناة السويس وسوميد أقصر منظومة تربط البحر الأحمر بالمتوسط. غير أن القيمة الحقيقية لمصر لا ينبغي أن تقتصر على رسوم مرور السفن أو نقل الخام، بل يجب تطوير المنطقة إلى منصة متكاملة لاستقبال النفط والمنتجات، والتخزين الاستراتيجي والتجاري، وخلط الخامات، والتكرير والبتروكيماويات، وتموين السفن، وإعادة التصدير وتجارة الشحنات وتسعيرها.

كل خدمة تُقدَّم للبرميل أثناء وجوده في مصر ترفع القيمة المضافة، وتخلق وظائف، وتجذب الاستثمارات، وتحول البلاد من مجرد ممر إلى شريك أساسي في سلسلة الطاقة الدولية.

قد يكون أهم مشروع يغير مكانة مصر هو إنشاء ممر استراتيجي يربط نفط الخليج بالموانئ المصرية على البحر المتوسط. ويمكن أن يبدأ بتجميع الخام في مركز سعودي، ثم نقله بخطوط عالية السعة إلى شمال غرب المملكة، قبل عبور خليج العقبة بحل هندسي مدروس، والاتصال بممر محمي عبر سيناء وصولًا إلى العريش أو شبكة سوميد وموانئ الحمراء وسيدي كرير ، وهذا المشروع لا يلغي هرمز أو باب المندب، لكنه يمنح دول الخليج خيارًا ثالثًا أكثر أمانًا، ويجعل مصر جزءًا مباشرًا من أمن صادراتها. ومع ذلك، يجب ألا يُطرح كشعار سياسي، وإنما كمنظومة مرحلية قابلة للتوسع، تخضع لدراسات السيادة والأمن والبيئة والجدوى الاقتصادية.

تستطيع مصر عرض إنشاء خزانات ومستودعات أو كهوف تخزين لصالح السعودية والإمارات والكويت والعراق بالقرب من العين السخنة وسيدي كرير والحمراء والعلمين ومناطق قناة السويس، والعريش بعد استكمال المتطلبات الأمنية.

وتحقق هذه المنظومة فائدة مزدوجة: فهي تمنح المنتجين مخزونًا قريبًا من أوروبا وخارج مناطق التهديد المباشر، كما توفر لمصر إمدادات يمكن الوصول إليها سريعًا أثناء الأزمات. ويمكن الفصل تعاقديًا بين المخزون المملوك للدول المنتجة، والمخزون التجاري، والاحتياطي المصري ،وتمتلك مصر مقومات التحول إلى مركز لغاز شرق المتوسط، عبر استقبال الغاز من قبرص وحقول المنطقة، ثم توجيهه إلى السوق المحلية، ومحطات الكهرباء، ومصانع الأسمدة والبتروكيماويات، أو إسالته وتصديره. لكن نجاح هذه المنظومة يتطلب أولًا معالجة فجوة العرض المحلي؛ إذ لا يمكن بناء مركز إقليمي قوي إذا كانت محطات الإسالة تعمل دون طاقتها أو تعتمد على إمدادات معرضة للتوقف السياسي والعسكري.

كما تستطيع مصر أن تصبح نقطة التقاء لثلاث دوائر كهربائية: الخليج عبر الربط المصري–السعودي، وأفريقيا عبر السودان وليبيا ودول القارة مستقبلًا، وأوروبا عبر قبرص واليونان. ويتضمن مشروع «GREGY» المقترح كابلًا بحريًا بطول يقارب 950 كيلومترًا لنقل الكهرباء المتجددة من مصر إلى اليونان. ومع التوسع في الشمس والرياح وتخزين الكهرباء، يمكن لمصر أن تصبح جسرًا كهربائيًا بين ثلاث قارات، بشرط ألا يكون التصدير على حساب احتياجات السوق المحلية واستقرار الشبكة.

وتمثل مصر قدرة تكريرية كبيرة حيث انتقلت من نقل المواد الخام إلى تصنيعها، وبذلت الدولة جهود في إعطاء الأولوية للتكرير والبتروكيماويات، ووقود السفن منخفض الكبريت، ووقود الطائرات المستدام، والزيوت الأساسية، والأمونيا والميثانول، وخدمات السفن والطوارئ البحرية.

ولذا تستطيع القاهرة أن تؤدي دور الوسيط بين المنتج الخليجي والمستهلك الأوروبي والأفريقي، وأن تقود مبادرات لحماية الممرات والمنشآت دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. فهناك فارق بين حماية الملاحة المصرية ومداخل قناة السويس وتأمين المصالح الوطنية، وبين الدخول في مواجهات عسكرية خارج الحدود ضد إيران أو الحوثيين.

المصلحة المصرية تقتضي توسيع دور البلاد كضامن لوجستي ودبلوماسي موثوق، مع تجنب الاستنزاف العسكري ، ولا تزال أمام هذا الطموح تحديات، أبرزها الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ومحدودية المخزون الاستراتيجي، والحاجة إلى تمويل ضخم، والمخاطر الأمنية، وضرورة توفير فرص لزيادة التخزين اللوجيستي .

بينما الخليج سيظل مركز الثقل الإنتاجي، لكنه يحتاج إلى مصر لتنويع مساراته وتقليل اعتماده على المضائق المهددة. كما تحتاج مصر إلى الخليج لتوفير الإمدادات والاستثمارات والحجم التجاري. ومن هنا تتمثل الفرصة التاريخية لمصر في أن تصبح المنصة الآمنة التي تربط موارد الخليج وشرق المتوسط بأسواق أوروبا وأفريقيا ،وعندها لن تكون مصر دولة يمر عبرها النفط والغاز فحسب، بل دولة يصعب على منظومة الطاقة الإقليمية أن تعمل بكفاءة وأمان من دونها….. والي تكملة قادمة