قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. محمود جلال يكتب: الصناعة والابتكار.. المعادلة الذهبية لبناء اقتصاد تنافسي ومستدام

د. محمود جلال
د. محمود جلال

دائماً ما نبحث في تجارب الأمم الكبرى عن السر الذي قفز باقتصاداتها إلى مصاف القوى العظمى، ومكّنها من توفير مستويات معيشية استثنائية لشعوبها. وعندما نُمعن النظر في الهيكل الاقتصادي لدولة كالولايات المتحدة الأمريكية، نكتشف أن السر لا يكمن في وفرة الموارد فحسب، بل في تعظيم قيمتها عبر التصنيع المبتكر. فالصناعة ليست مجرد خطوط إنتاج تضخ سلعًا استهلاكية، بل هي المحرك الأساسي لنمو الاقتصاد، والضامن الحقيقي لرفع مستوى دخل المواطن. وتقدم لنا لغة الأرقام دليلًا قاطعاً على هذا الدور المحوري؛ فوفقاً للإحصاءات الرسمية الأمريكية، يساهم قطاع التصنيع في الولايات المتحدة بنحو 2.91 تريليون دولار كقيمة مضافة للاقتصاد الأمريكي. والأهم من هذا الرقم المطلق هو ظاهرة الأثر المضاعف؛ حيث يولد كل دولار يُنفق في قطاع التصنيع الأمريكي 2.69 دولار إضافية في شرايين الاقتصاد الكلي هناك. هذا القطاع الجبار يدفع بالصادرات السلعية الأمريكية لتسجيل 1.6 تريليون دولار، ويمنح أمريكا أكثر من 16% من إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي، وهي حصة تتجاوز ما تنتجه اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية مجتمعة.
واللافت للنظر في التجربة الأمريكية أن الصناعة الحديثة لم تعد تعتمد على المجهود البدني، بل على العقول وتوظيف المعرفة.

 فالبيانات تكشف أن قطاع التصنيع في الولايات المتحدة يستحوذ على 54% من إجمالي أنشطة البحث والتطوير التجاري، ويكون مسؤولاً عن إفراز 55% من إجمالي براءات الاختراع الأمريكية. أما على مستوى هموم المواطن البسيط والبحث عن الحياة الكريمة، فإن قطاع التصنيع المبتكر الذي يوظف 13 مليون شخص في أمريكا، يضمن للعامل هناك متوسط أجر شهري يبلغ نحو 8,552 دولاراً، ليتفوق باستمرار على متوسط الأجور في باقي القطاعات الاقتصادية الأمريكية. 


والمفاجأة المُلهمة في هذه الإحصاءات الأمريكية أن 74% من هذه المنشآت الصناعية الناجحة هي في الأساس شركات صغيرة لا يتجاوز عدد عمالها 20 موظفاً. هذا الواقع المدهش يضعنا أمام تساؤل استراتيجي مفاده كيف يمكن لمصر الاستفادة من هذه التجربة في ضوء مستهدفات رؤية مصر 2030 التي تسعى لبناء اقتصاد متنوع معرفي تنافسي يعتمد على الابتكار والمعرفة؟ الإجابة تكمن في تحويل دلالات هذه الأرقام إلى سياسات متكاملة قابلة للتطبيق على أرض الواقع المصري، للعمل على تعميق التصنيع المحلي وتقليص فاتورة الاستيراد بفعالية.
إن نجاح النسبة الكاسحة من المنشآت الأمريكية بحجم عمالة صغير يثبت لنا أن النهضة الصناعية لا تعتمد حصراً على المجمعات العملاقة والمصانع الكبرى. بل تعتمد في جوهرها على سلاسل الإمداد والورش والمصانع المغذية؛ وهو نسيج تمتلكه مصر بالفعل، ويمكن تطويره بربطه بكبار المصنّعين لدعم الاقتصاد المتنوع والتنافسي الذي تستهدفه الدولة. ويتطلب هذا الأمر توجيه التمويل والحوافز الاستثمارية للقطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة العالية، والتي تُنشئ خلفها سلاسل توريد وخدمات محلية متعددة للاستفادة من فكرة الأثر المضاعف. فهذا التوجه سيؤدي حتماً إلى تعظيم العائد الاقتصادي لكل جنيه يُستثمر، مما يساهم في بناء قاعدة صناعية متطورة وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وهو أحد أهم أهداف رؤيتنا التنموية الشاملة.
علاوة على ذلك، أثبتت التجربة الأمريكية أن الصناعة لا تنفصل أبداً عن الابتكار والبحث العلمي وتوطين التكنولوجيا وتطبيق براءات الاختراع الوطنية بالتعاون المشترك بين الجامعات والمراكز البحثية والقطاع الخاص في مصر هو الكفيل بنقل الصناعة المصرية من مرحلة التجميع الاستهلاكي إلى مرحلة التصنيع الكامل القائم على المعرفة، وهو ما يتوافق تماماً مع غايات رؤية مصر 2030 في تحقيق التقدم التكنولوجي والابتكار. ولا يكتمل هذا المسار إلا بتنمية المهارات وتطوير التدريب المهني، فرفع كفاءة العمالة المصرية عبر التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية لتستوعب الأعداد الكبيرة من طالبي التعليم الفني، وتطوير المناهج والتجهيزات التعليمية بها لتواكب التقدم العلمي والتكنولوجي العالمي، إلى جانب التدريب الفني المتقدم، سينعكس مباشرة على زيادة الإنتاجية وتحسين مستويات الدخول، ويجعل مصر مركزًا جاذبًا للاستثمارات الأجنبية التكنولوجية المعتمدة على العمالة المصرية الماهرة والمدربة على أحدث التكنولوجيات، مما يدعم الهدف الاستراتيجي الأول للرؤية والمتمثل في الارتقاء بجودة حياة المواطن المصري وتحسين مستوى معيشته بكل السبل الممكنة.
 

إن صياغة مستقبل اقتصادي مشرق لمصر يتطلب إدراكاً حقيقياً بأن الشركة الناشئة المبتكرة والمصنع الصغير هما عصب الاقتصاد الحقيقي. وعندما تتكاتف جهود مؤسسات الدولة مع العقول المفكرة ورواد الأعمال لإنتاج سلع ذات تنافسية عالية تعتمد على براءات اختراع وطنية، فإننا لن نقلل فاتورة الاستيراد فحسب، بل سنخلق معادلة ذهبية تضمن نمواً متصاعداً للاقتصاد، وتحقيق رفاهية حقيقية للمواطن المصري وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.