قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد نجم يكتب: الإستراتيجية الأمريكية تدير الشرق الأوسط بالوظائف لا بالتحالفات

أحمد نجم
أحمد نجم

في السياسة لا توجد صداقات دائمة ، بل مصالح دائمة ، لكن في حالة تعامل أمريكا مع إسرائيل و الشرق الأوسط و دول الخليج ، الأمر يتجاوز المصالح إلى الهندسة الوظيفية .

هندسة دقيقة تهدف لخلق شرق أوسط قوي بما يكفي ليخدم المصالح الأمريكية، وضعيف بما يكفي ليظل محتاجاً لها. فمنذ أن ورثت واشنطن تركة الاستعمار البريطاني، لم تسع يوماً لصناعة حلفاء أقوياء قادرين على الإعتماد على أنفسهم ، بل سعت لصناعة منظومة تبعيات متكاملة ، لكل دولة وظيفة ، ولكل وظيفة سقف لا يجب علي أحد تجاوزه .

الخطاب الأمريكي دوما يصدر فكرة الحلفاء الاستراتيجيين ، لكن نظرة سريعة لخريطة علاقات أمريكا في الشرق الأوسط تكشف حقيقة مختلفة وهي أن أمريكا لا تصنع حلفاء أقوياء ، بل تصنع أدوات وظيفية ، وكلما حاول الحليف أن يكبر عن دوره المرسوم ، تم تقليم أظافره . بملف حقوق الإنسان أو المساعدات أو العقوبات .

إسرائيل الحليف المدلل لكنه المقيد ، أمريكا تعطي إسرائيل كل شيء ،  من سلاح ، أو فيتو في مجلس الأمن أو مليارات سنوية . لكن في المقابل ، لا تسمح لها أبداً أن تكون مستقلة في القرار عن أمريكا .

إسرائيل قوية عسكرياً على جيرانها ، لكنها ضعيفة سياسياً أمام واشنطن . وهذا هو المطلوب أمريكياً . أمريكا تريد إسرائيل حليف يتفوق إقليمياً لكنه لا يستطيع الإستغناء عن الرباط الأمريكي .ولأن أمريكا تستخدم إسرائيل ذراعها القذر في تنفيذ بعض العمليات الدموية التي تخدم مصالحهما المشتركة لكن عن القرار الأمريكي .

فكيف أدارت أمريكا ملفات حلفائها الكبار ، إسرائيل و دول الخليج والشرق الأوسط ؟ أمريكا تعاملت  بمنطق واحد هو أعطيك ما يكفي لتستمر ، وأمنع عنك ما يكفي لتستقل عني كي تظل محتاجا لي .

أمريكا لم تكن في يوم من الأيام جمعية خيرية لتوزيع القوة مجانا .  فمنذ خروج بريطانيا من شرق قناة السويس في ديسمبر عام 1971 ( الخليج و الشرق الاوسط ) لإنتهاء إتفاقية الحماية و أيضا بسبب أزماتها الإقتصادية وعدم قدرتها علي الإنفاق علي القواعد العسكرية في الشرق الاوسط ، حينها أعلنت قطر والبحرين و الإمارات العربية إستقلالهم .

استغلت أمريكا الفرصة وقررت أنها لن تسمح بولادة قوة إقليمية مستقلة في الشرق الأوسط ، سواء  صديقة أو عدوة . فالقاعدة التي حكمت البيت الأبيض، جمهورياً كان أم ديمقراطياً، هي قاعدة واحدة ، مسموح لك أن تكون قوياً داخل حدود الدور الأمريكي المرسوم لك ، وممنوع عليك أن تكون قوياً لدرجة أن تستغني عني .

وظهرت فكرة صناعة الشرق الأوسط الجديد تاريخياً علي يد المفكر والمؤرخ البريطاني-الأمريكي برنارد لويس ، بينما روج لها سياسياً واقتصادياً رئيس وزراء الإحتلال الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز ، وتبنتها لاحقاً أمريكا رسمياً على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس عام 2006 و التي تبنت فكرة الفوضي الخلاقة في الشرق الأوسط بعيدا عن إسرائيل  .

من هنا نفهم لماذا تبدو إسرائيل قوية جداً وضعيفة جداً في نفس الوقت ،ولماذا يمتلك الخليج أغلى أسلحة العالم دون أن يمتلك قرار صناعتها أو إستخدامها ؟ ولماذا ظلت بعض دول الشرق الأوسط لمدة خمسين عاماً تدور في فلك معادلة التوازن لا التفوق ؟

ففي أدبيات العلاقات الدولية ، هناك فرق جوهري بين "الحليف" و"التابع". الحليف شريك في القرار، والتابع منفذ للقرار . وبالنظر لنصف قرن من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ، يتضح أن أمريكا لم تبنِ حلفاء بالمعنى الإستراتيجي للكلمة ، بل بنت شبكة متقنة من التبعيات الوظيفية، لكل دولة فيها دور وظيفي لا يجب أن تتجاوزه .

إسرائيل تحصل على أكبر حزمة مساعدات خارجية في تاريخ الولايات المتحدة. منذ عام 2016 ، و هناك مذكرة تفاهم تضمن لها 38 مليار دولار على 10سنوات ، منها 3.8 مليار سنوياً ،  معظمها مساعدات عسكرية.   و في عام 2024 بعد حرب غزة ، أقر الكونجرس مساعدات إضافية بقيمة 14.1 مليار دولار . لكن هذا الكرم ليس مجانياً .

فالواقع يؤكد الفيتو التكنولوجي الأمريكي .ففي عام 2000، أجبرت واشنطن إسرائيل على إلغاء صفقة بيع طائرات فالكون للصين . وفي 2004 ، أجبرتها على إعادة منظومة هاربي للصين  وكانت الرسالة الأمريكية مفادها ، تفوقك  مسموح به على العرب ، لكن ممنوع أن تنقل تكنولوجيا تنافسنا بها في آسيا .

وجاء أيضا الفيتو السياسي الأمريكي ، مفاده بأن علي إسرائيل عدم توجيه ضربة إستراتيجية علي إيران أو العراق . دون ضوء أخضر أمريكي. حكومة نتنياهو نفسها، رغم كل قوتها، تنتظر إتصالاً من البيت الأبيض قبل أي عملية كبرى . القوة العسكرية الإسرائيلية هائلة، لكن قرار إستخدامها مرهون بموافقه أمريكا .

النتيجة هي أن إسرائيل هي أقوى دولة في المنطقة ، وأضعف دولة في إتخاذ قرار الحرب والسلم بشكل مستقل عن أمريكا .

النقطة الثانية هي  معادلة النفط والحماية لدول الخليج . فمنذ إعلان الرئيس الامريكي الأسبق جيمي كارتر عام 1980 أن الخليج منطقة مصلحة حيوية أمريكية، والمعادلة ثابتة هي  النفط والمال الخليجي مقابل الحماية الأمريكية .

الأرقام تكشف الحجم بين 2015 و2023، إشترت السعودية وحدها أسلحة أمريكية بأكثر من 100 مليار دولار ، والإمارات بأكثر من 40 مليار دولار. صفقات مثل THAAD و F-35 و Patriot لا تمنح تفوقاً صناعياً، بل تخلق تبعية صيانة وقطع غيار وذخيرة تمتد 30 سنة قادمة و أيضا عدم القدرة علي الإستخدام بدون أمريكا .

وعندما فكرت دول خليجية في كسر الإحتكار وشراء مقاتلات صينية أو منظومة S-400 روسية، تحرك الكونجرس فوراً. وقام بتجميد صفقة F-35 للإمارات عام 2021 ، بدعوي حماية التفوق الإسرائيلي . وتم التلويح بقانون "نوبك" لسحب الحصانة من أوبك. بل إن مجلة فورين بوليسي كشفت أن واشنطن هددت الرياض علناً عام 2022 بعد قرار أوبك+ بخفض الإنتاج.

المطلوب امريكيا من دول الخليج ان تبقي خزينة التريليونات مفتوحة ، وقواعد عسكرية أمريكية في الظهران والعديد والظفرة، لكن دون مشروع صناعي عسكري مستقل .

النقطة الثالثة الشرق الأوسط ودور التوازن المحسوب بدقة ، النموذج المصري هو الأدق في إثبات النظرية. تحصل مصر على 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية سنوية منذ 1979. لكن هذه المساعدات مشروطة بقانون أمريكي يمنع أن تتفوق الأسلحة الممنوحة لمصر على ما تملكه إسرائيل ، وهو ما يسمى في القانون الأمريكي الحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي QME .

ولهذا كانت حكمة الرئيس القائد عبد الفتاح السيسي في تنوع مصادر شراء السلاح ليقيم توازن عملي في المنطقة بل وتفوق عسكري أيضا بعيدا عن الإملاءات الأمريكية

و عندما أرادت مصر تنويع سلاحها وإشترت الرافال من فرنسا والميج 29 من روسيا، تم تجميد جزء من المساعدات الأمريكية عام 2017 و2021 تحت بند حقوق الإنسان ، رغم أن الهدف الحقيقي كان رسالة سياسية هي التنويع مسموح بهامش ، لكن الاستقلال ممنوع .

لكن لم يكن القرار الأمريكي مؤثر في السياسة المصرية نتيحة التأكيد علي إستقلالية القرار المصري ولم تتراجع مصر عن قرارها

أمريكا  تريد مصر قوية بما يكفي لتأمين 12% من التجارة العالمية عبر قناة السويس، ولضبط 14 كيلومتر حدود مع غزة ، ولمحاربة الإرهاب في سيناء، لكنها لا تريدها قوة اقتصادية صناعية تنافس في المتوسط .

هذه هي الرسالة الأمريكية التي لم تؤثر علي حرية القرار المصري في تنوع مصادر السلاح سواء من المانيا وفرنسا وروسيا وهو ما أغضب الكونجرس الأمريكي ، الذي تعي إدارته إستقلالية القرار المصري وهو ما ظهر جليا في رفض مصر السعي الأمريكي لتهجير الفلسطينيين من غزة مقابل ملايين المليارات لمصر .

ماتفعله أمريكا في الشرق الاوسط هو توزيع لإدارة الوظائف ولا لإدارة التحالفات .

فمثلا وظيفة إسرائيل أن تكون الشرطي المتفوق عسكرياً. ووظيفة الخليج أن تكون الممول والضامن لتدفق الطاقة .بينما مصر تعلم أمريكا انها المثبت الجغرافي والسكاني  والمحافظ علي أمن وإستقرار  المنطقة .

ومن يلتزم بوظيفته يُكافأ بالسلاح والمال والشرعية. ومن يحاول أن يكبر عن وظيفته، يُعاقب بالعقوبات، أو بتقارير الكونجرس ، أو بتحريك ملفات حقوق الإنسان ، أو بتعطيل صفقات صندوق النقد .

وهو مافعلته أمريكا مع مصر ولكن فشلت سياستها في الضغط علي القرار المصري نتيحة حكمة وثبات القائد عبد الفتاح السيسي وكان موقف مصر برفض الإملاءات الأمريكية بتهجير الفلسطينيين من غزة مقابل ملايين المليارات كفيل بتفكير أمريكا قبل أن تفرض أي شروط علي القرار المصري .

أمريكا تعلم مدي قوة القرار المصري . لذلك تعطي مصر مساعدات عسكرية ثابتة منذ كامب ديفيد ، لكنها مساعدات محسوبة . هي  تكفي لتحافظ على الجيش واقفاً ، لكن لا تكفي ليسبق إسرائيل تكنولوجياً. أمريكا تريد مصر قوية بما يكفي لتأمين مصالحها في قناة السويس ومحاربة الإرهاب في سيناء وضبط حدود غزة .

العالم تغير . لم تعد القوة تقاس بمن يملك سلاحاً أمريكياً، بل بمن يملك قرار إستخدام سلاحه . والدول التي أدركت أن أمريكا تريد تابعاً مفيداً لا حليفاً قوياً ، هي نفسها التي بدأت اليوم تفتح أبواب بكين وموسكو ونيودلهي، ليس حباً فيهم، بل بحثاً عن هامش سيادة ضاق كثيراً من سياسة أمريكا .

دول الشرق الاوسط  فهمت اللعبة ، لم تعد تبحث عن رضا واشنطن ، بل تبحث عن تعدد الشركاء . ففي عالم متعدد الأقطاب ، التابع المفيد يصبح عبئاً ، أما الحليف القوي حقاً فهو من يملك قراره .