قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

53 عاما على حرب أكتوبر.. العميد محمد الغزالي يكشف لـ "صدى البلد" أسرار لأول مرة عن رحلته مع استجواب الأسرى الإسرائيليين

العميد محمد الغزالي مع الزميل محمد إبراهيم
العميد محمد الغزالي مع الزميل محمد إبراهيم

لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية عابرة في سجل التاريخ، وإنما كانت ثمرة سنوات طويلة من الإعداد والتخطيط وإعادة بناء القدرات، بعدما أدركت مصر أن استعادة الأرض لا تبدأ من لحظة إطلاق النار، وإنما من امتلاك المعلومة الدقيقة، وفهم قدرات الخصم، ومعرفة نقاط قوته وضعفه.

وبعد 53 عاما على حرب أكتوبر، تبقى واحدة من أهم صفحات تلك الملحمة مرتبطة بالسماء المصرية؛ حيث لعبت القوات الجوية دورا محوريا في تنفيذ الضربة الجوية وتهيئة مسرح العمليات أمام القوات البرية، مستندة إلى منظومة متكاملة من التخطيط والاستطلاع وجمع المعلومات، وهي منظومة لم تبن بين ليلة وضحاها، وإنما كانت نتاج سنوات من العمل المتواصل منذ ما بعد الخامس من يونيو 1967.

ففي أعقاب عدوان يونيو، لم يكن التحدي أمام القوات المسلحة المصرية يتمثل فقط في إعادة بناء الطائرات والقواعد والقدرات القتالية، بل امتد إلى بناء منظومة معلومات قادرة على الإجابة عن السؤال الأكثر أهمية قبل أي معركة، ماذا يمتلك العدو؟ وأين يتمركز؟ وكيف يفكر؟ وكيف يمكن التعامل مع قدراته؟.

الاستطلاع الجوي وجمع المعلومات

ومن هنا، بدأ العمل على تطوير الاستطلاع الجوي وجمع المعلومات عن القوات الجوية الإسرائيلية، بما يشمل القواعد الجوية، وتمركزات الطائرات، والدشم، ووسائل الحماية، وأنواع الذخائر والأسلحة، وصولا إلى تفاصيل أكثر دقة تتعلق بقدرات الطيارين الإسرائيليين ونمط عملهم.

وفي هذا السياق، يبرز اسم العميد طيار محمد الغزالي، الذي كان مسؤولا عن المعلومات والاستطلاع في القوات الجوية، وأحد الذين شاركوا في استجواب الطيارين الإسرائيليين الذين أُسروا خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، لتتحول المعلومة التي جمعت من السماء والأرض إلى عنصر أساسي في التخطيط للمعركة.

جمع المعلومات عن القواعد الجوية الإسرائيلية 

يحكي العميد طيار محمد الغزالي لـ "صدى البلد" أن مرحلة ما بعد الخامس من يونيو 1967 شهدت عملية تأهيل واسعة للحصول على العديد من الفرق التخصصية، كان من بينها تعلم اللغة العبرية، بما يتناسب مع طبيعة المهام التي أُسندت إليه في مجال المعلومات والاستطلاع، وكانت مهمته الأساسية تتمثل في الاستطلاع وجمع المعلومات عن القواعد الجوية الإسرائيلية، وتمركزاتها، وإمكاناتها، والقدرات التي تمتلكها القوات الجوية الإسرائيلية.

ويربط الغزالي بين هذه المهمة وبين الدروس التي خرجت بها مصر من تجربة يونيو، مؤكدا أن ما حدث في الخامس من يونيو ارتبط، من بين عوامل أخرى، بنقص المعلومات المتعلقة بحجم وقدرات القوة العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما ما تمتلكه من طائرات مقاتلة وذخائر وأسلحة، ومن هنا، أصبح توفير المعلومات الدقيقة عن قدرات العدو الجوية هدفا أساسيا، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها لا معركة بلا معلومة، ولا تخطيط ناجح من دون استطلاع دقيق.

ولم يكن الطريق إلى أكتوبر يبدأ في السادس من أكتوبر 1973، وإنما بدأت ملامحه في وقت مبكر، حيث يشير الغزالي إلى أن الإعداد لحرب أكتوبر بدأ منذ أعمال قتال القوات الجوية في 14 و15 يوليو 1967، في مرحلة مبكرة من إعادة بناء الثقة والقدرات بعد النكسة.

امتلاك كافة المعلومات عن القوات الجوية الإسرائيلية

ومع مرور السنوات، أصبحت القوات الجوية المصرية تمتلك قاعدة واسعة من المعلومات عن القوات الجوية الإسرائيلية؛ بدءا من عدد القواعد الجوية وتمركزاتها، مرورا بأماكن وجود الطائرات والدشم ووسائل الحماية، وصولا إلى أنواع الذخائر الجوية، بل وإلى معلومات أكثر تفصيلا تتعلق بالطيارين الإسرائيليين وإجازاتهم.

وأكد الغزالي أن هذه المعلومات لم تكن مجرد بيانات محفوظة في ملفات، وإنما تحولت إلى عنصر فاعل في التخطيط العملياتي، وأسهمت في إعداد خطة محكمة لاستهداف الأهداف الجوية الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر.

استجواب الطيارين الإسرائيليين 

لكن جمع المعلومات لم يكن يتوقف عند حدود الاستطلاع الجوي، فعندما تسقط طائرة معادية ويؤسر طيارها، تتحول خبرته ومعرفته إلى مصدر آخر للمعلومات، وفي هذا الجانب، يكشف اللواء طيار محمد الغزالي جانبا من تجربته مع استجواب الطيارين الإسرائيليين الذين تم أسرهم خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.

ويقول "الغزالي" إن أول عملية استجواب شارك فيها كانت لطيار إسرائيلي أُسقطت طائرته خلال حرب الاستنزاف، وهو الطيار "تسيم أشكنازي"، حيث تمكن من الحصول منه على معلومات مهمة تتعلق بطريقة تنفيذ القوات الجوية الإسرائيلية لمهامها وأساليب عملها.

أسير يكشف معلومات عن سربه

ومع اندلاع حرب أكتوبر، تكررت تلك التجربة بصورة أكثر أهمية، ويروي الغزالي أنه عقب إسقاط طائرة مقاتلة إسرائيلية خلال الحرب، تم أسر طيار إسرائيلي يُدعى "آمنون يعقوب جاردي"، وخلال استجوابه أمكن الحصول على معلومات تتعلق بالسرب الذي كان يتبعه، والطيارين والطائرات التابعة له، لكن الأهم أن المعلومات التي قدمها الأسير تضمنت اسم قائد السرب، "إسحاق بير".

وبعد ذلك، أُسقطت طائرة قائد السرب نفسه خلال حرب أكتوبر، وتم أسره أيضا، وهنا كانت المفارقة التي تحولت إلى قيمة استخباراتية إضافية؛ إذ كانت لدى اللواء محمد الغزالي معلومات سابقة عن هذا الطيار، حصل عليها من الطيار الذي سبقه إلى الأسر، وبالتالي، لم يبدأ الاستجواب من نقطة الصفر، بل كانت هناك معلومات سابقة يمكن البناء عليها ومقارنتها بما يقوله الأسير الجديد.

ومن خلال استجواب قائد السرب الإسرائيلي، نجح الجانب المصري في الحصول على معلومات مهمة وقيمة عن قدرات القوات الجوية الإسرائيلية، وهي معلومات أسهمت، في دعم تنفيذ مهام ناجحة للقوات الجوية المصرية خلال حرب أكتوبر.

وفي ختام حديثه، أكد العميد محمد الغزالي أن حرب أكتوبر أثبتت أن النصر لا تصنعه القوة وحدها، وإنما تصنعه القوة حين تمتلك المعرفة، ويصبح السلاح جزءا من منظومة متكاملة تبدأ بالمعلومة وتنتهي بتحقيق الهدف.