توقفت أمام مشاهد استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال جولته الآسيوية وخاصة الحفاوة التي أحاطت بزيارته إلى إندونيسيا. رأيت فيها تعبيرًا واضحًا عن مكانة مصر لدى شركائها وتقديرًا لدولة يعرف الآخرون وزنها ويحرصون على علاقتها ويثقون في قيادتها ودورها. وفي العلاقات الدولية تحمل مراسم الاستقبال رسائل سياسية يفهمها المتابعون جيدًا وتعكس مقدار الاهتمام بالعلاقة وما ينتظره الطرفان من مستقبلها.
حين يُستقبل الرئيس المصري بهذه الحفاوة فإن مصر تحضر معه بتاريخها ومؤسساتها وتأثيرها ومواقفها.
تحضر دولة تركت بصمتها في محيطها وظلت حاضرة في قضايا المنطقة وحافظت على قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف. ومن هنا أفهم الاهتمام بالعلاقة مع القاهرة وأرى فيه إدراكًا لقيمة الشراكة مع دولة تملك رؤية وموقفًا وقدرة على الفعل.
وقد حملت جولة الرئيس في كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا في تقديري معنى يتجاوز حدود الزيارات الرسمية.
إنها تعبر عن حركة مصرية واثقة نحو توسيع الشراكات وبناء مصالح جديدة وفتح آفاق أرحب للتعاون. واختيار هذه الوجهات يعكس اهتمامًا بتجارب اقتصادية وتنموية يمكن أن يثمر التعاون معها فرصًا مهمة لمصر في الصناعة والاستثمار وتبادل الخبرات.
أرى أن أحد أهم أسباب التقدير الذي تحظى به مصر هو وضوح سياستها واتزان قرارها. ففي سنوات شديدة الاضطراب حافظت القيادة السياسية على وضع أمن الوطن ومصالحه في مقدمة الحسابات. وهذه الحكمة تمنح الشركاء ثقة في التعامل مع القاهرة لأنهم يعرفون أنهم أمام دولة تتحرك بمسؤولية وتدرك تبعات مواقفها وتحرص على استقرار محيطها.
لقد أثبت الرئيس السيسي في رأيي أن إدارة العلاقات الخارجية تحتاج إلى صبر وخبرة وحسن تقدير. فالحفاظ على علاقات قوية وفتح مجالات جديدة للتعاون وتوسيع مساحة التفاهم مع دول مختلفة أمور تحتاج إلى قيادة تعرف ما تريد وتتحرك وفق مصالح بلدها. وهذه القدرة تمنح مصر مساحة أوسع للحركة وتدعم استقلال قرارها وتعزز حضورها.
ولهذا أقرأ الحفاوة في الاستقبال باعتبارها تقديرًا لهذه السياسة أيضًا. فالدول تبني علاقاتها على ما تعرفه عن شركائها وعلى ما تراه من جدية والتزام. ومصر بما تمثله من ثقل سياسي وحضاري وبما تتبناه من توجه نحو التنمية والتعاون تقدم أساسًا قويًا لعلاقات يمكن البناء عليها لسنوات.
وللعلاقة مع إندونيسيا معنى خاص في هذا المشهد. فهناك رصيد تاريخي يمنح التقارب عمقًا ويجعل الحفاوة مفهومة في سياق علاقة لها جذورها. وقد جاء التأكيد على تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري ليمنح هذا الرصيد امتدادًا نحو المستقبل ويتيح فرصًا جديدة أمام المؤسسات والشركات في البلدين.
وأعتقد أن قيمة التحرك الرئاسي تظهر كذلك في قدرته على منح التعاون دفعة قوية. فاللقاء على مستوى القيادة يبعث برسالة اهتمام واضحة ويشجع المؤسسات على التحرك ويمنح مجتمع الأعمال ثقة أكبر في فرص الشراكة. ومن هنا تأتي أهمية البناء على هذه الزيارات ومواصلة العمل على ما تفتحه من أبواب.
وأرى أمام القطاع الخاص المصري مساحة واسعة للمشاركة في هذا الجهد. فالعلاقات التي تدعمها الدولة تستطيع الشركات أن تترجمها إلى مشروعات وتبادل تجاري وتعاون في الإنتاج والخدمات. وكل خطوة في هذا الاتجاه تضيف إلى قوة الاقتصاد وتوسع فرص العمل وتربط الحضور المصري في الخارج بمكاسب
تمتد إلى الداخل.
كما أن هذه الجولة تؤكد في تقديري أن مصر تتحرك برؤية للمستقبل. فهي تسعى إلى تعاون يستفيد منه الاقتصاد وإلى علاقات تتيح تبادل المعرفة وإلى شراكات تساعد على توسيع قاعدة الإنتاج. وهذا توجه يعبر عن قيادة تدرك أن بناء القدرة الاقتصادية جزء أساسي من تعزيز قوة الوطن والحفاظ على استقراره.
من حقنا أن نفخر بما شاهدناه من تقدير للرئيس ولمصر. فهذه المشاهد تحمل رسالة واضحة بأن هناك حرصًا على القاهرة واهتمامًا بدورها ورغبة في تطوير التعاون معها. وأرى أن هذا التقدير يضيف إلى رصيد الدولة ويؤكد أن الحضور المصري يحظى باحترام يتجاوز محيطه الجغرافي.
وأجد في هذه الجولة ما يدعو إلى الاعتزاز بقيادة تتحرك من أجل بلدها وتحمل مصالح شعبها إلى كل لقاء. فالرئيس السيسي يعرف قيمة مصر ويحرص على أن يكون حضورها على قدر هذه القيمة. وما رأيناه من استقبال وحفاوة يعكس مكانة وطن حافظ على ثقله وواصل بناء علاقاته بثقة وحكمة.
تبقى في ذهني صورة مصر وهي تُستقبل بكل هذا الاحترام بعيدًا عن حدودها. صورة تذكرنا بأن لهذا الوطن قدرًا يعرفه العالم وأن وراء حضوره تاريخًا ومواقف وعملًا متواصلًا. ولذلك أرى أن الحفاوة بالرئيس السيسي في آسيا كانت رسالة تقدير لمصر كلها ورسالة ثقة في دورها ومستقبلها. مصر التي نعتز بالانتماء إليها والتي تظل مكانتها حاضرة حيثما ذهب رئيسها حاملًا اسمها ومصالحها وطموح أبنائها.