قدمت مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي مجموعة من التجارب العربية اللافتة، التي اختلفت في أساليبها الفنية وطرائق معالجتها لقضايا الإنسان والمجتمع.
أفلام تكشف عن تنوع واضح في اتجاهات السينما العربية المعاصرة، بين السينما الجريئة التي تصطدم بالمحظورات الاجتماعية، والسينما الواقعية التي تنشغل بالجراح النفسية.
لمن يجرؤ
فيلم المخرجة اللبنانية دانيال عربيد ينحاز تماما إلى الشخصيات التي تتمرد على القواعد الاجتماعية السائدة، من خلال العلاقة العاطفية التي تجمع أرملة فلسطينية متقدمة في العمر بشاب سوداني مهاجر في بيروت، تطرح أسئلة شائكة حول الحب والحرية والتمييز العنصري والفوارق الطبقية والعمرية.
يرفض التعامل مع الحب باعتباره امتيازا تمنحه الجماعة للفرد وفق شروطها، وتكتسب التجربة قوتها من حضور هيام عباس، قدرة الفيلم على تحويل الحكاية العاطفية إلى مواجهة مع المجتمع.
بومة
يقدم المخرج الأردني زيد أبو حمدان ملامح تجارية واضحة في ثاني أفلامه الروائية الطويلة، من خلال اعتماده على عالم الجريمة وصراعات القوة والبقاء في الأحياء المهمشة.
امرأة صنعت لنفسها مكانة في عالم تحكمه القسوة، واضطرت إلى تبني سلوكيات خشنة للدفاع عن وجودها بشكل أقرب إلى السينما الجماهيرية في اعتماده على الصراع المباشر والتشويق والتحولات الدرامية، مقتربا من أسئلة الانتماء والتهميش الاجتماعي.
خروج آمن
المخرج المصري محمد حماد قدم أكثر التجاربه العربية نضجا في مهرجان الجونة السينمائي هذا العام، بعد تجربته الأولى في فيلم “أخضر يابس”، يعود حماد بفيلم بالغ الحساسية، يتناول آثار العنف الديني، القهر والفقر، ولا يتوقف عند حدود المأساة الفردية، بل يتجاوزها إلى تأمل في الخوف والذاكرة.
من اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة التي تكشف ما تعجز الشخصيات عن التعبير عنه بالكلمات، محملا بمفارقة قاسية ومؤلمة، لكيفية تحول قضية اجتماعية شائكة إلى تجربة سينمائية تتجاوز حدود المكان والحدث.
حليمة
سينما تنصت بهدوء إلى الإنسان والطبيعة، هو وصف يمكن أن يلخص تجربة المخرج ياسين الإدريسي، باعتباره تجربة شاعرية تقوم على البساطة والتأمل.
رصد الفيلم حياة امرأة مسنة تعيش مع زوجها بالقرب من البحر، وتكسب قوت يومها من جمع وبيع بلح البحر، بينما يظل الماضي حاضرًا في تفاصيل حياتها، وهي سينما تراهن على قوة الصورة وإيقاع الحياة، أكثر من أي مفاجآت درامية.
البارح العين ما نامت
شاعرية المخرج الفلسطيني راكان مياسي تنقلنا إلى قرية بدوية في منطقة البقاع على الحدود اللبنانية السورية، حيث تتحول النساء إلى ضحايا لصراعات الرجال وأعراف المجتمع.
معالجة تتسم بالرقة والشاعرية بعيدا عن المبالغة العاطفية أو الإدانة، وتكشف التفاصيل اليومية والصمت والنظرات عن عالم تحكمه تقاليد صارمة.
وبذلك تتحول الحكاية من مأساة اجتماعية محلية إلى تأمل إنساني أوسع في الحرية والسلطة والحق في تقرير المصير.
لا جنة لمن تقتله امرأة
يقدم المخرج الكردي هالكوت مصطفى فيلمه الأحدث مستعينا بأدوات سينما الحركة والتشويق للاقتراب من واحدة من أكثر القضايا الإنسانية قسوة.
رحلة لا تبدو مجرد مهمة للإنقاذ أو الانتقام، بقدر ما تصبح مواجهة مع ذاكرة مثقلة بالعنف والخسارة، ومحاولة لاستعادة جانب من إنسانية كادت الحرب أن تسلبها.
ورغم اعتماد الفيلم على عناصر قريبة من سينما الحركة الجماهيرية، فإن موضوعه يفتح قراءة أعمق حول ثمن الحرب.