أفادت تقديرات متخصصة بأن احتمالات تسجيل عام 2026 أعلى درجات حرارة على الإطلاق، متجاوزا الرقم القياسي المسجل في عام 2024، تصل إلى 96%، فيما تشير التوقعات إلى أن عام 2027 قد يكون الأكثر سخونة بفعل ظاهرة النينيو.
وأشار أحدث تحليل شهري لمجموعة «بيركلي إيرث» البحثية غير الربحية، نقلته وكالة بلومبرج، إلى أن ذلك يأتي في ظل تنامي قوة ظاهرة «النينيو» المناخية، التي تهدد بتفاقم موجات الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات، فضلا عن زيادة الضغوط على الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء عالميا.
وكانت «بيركلي إيرث» قد قدرت في يناير الماضي احتمال تجاوز درجات الحرارة في عام 2026 مستويات عام 2024 بنحو 12% فقط، قبل أن تتراجع هذه التقديرات بحلول مايو.
لكن تطور ظاهرة «النينيو» بقوة أكبر من المتوقع أدى إلى تغير سريع في التوقعات، بعدما بدأت ملامحها في الظهور خلال يونيو، وسط تقديرات بأنها قد لا تبلغ ذروتها قبل ديسمبر المقبل.
وفي المقابل، تتبنى الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي «نوا» تقديرات أكثر تحفظًا، إذ ترجح ألا يتجاوز عام 2026 الرقم القياسي المسجل في 2024، مع توقع أن يحتل المرتبة الثانية بين أشد الأعوام حرارة بفارق ضئيل. كما تظهر بيانات خدمة «كوبرنيكوس» الأوروبية لتغير المناخ، حتى سبتمبر، أن العام الجاري يأتي في المرتبة الثانية من حيث ارتفاع درجات الحرارة. وعادة ما تتقارب نتائج مؤسسات رصد المناخ العالمية ضمن هامش لا يتجاوز عُشر درجة مئوية.
وتُعد «النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تنشأ نتيجة ارتفاع درجات حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادئ الاستوائي، ما يؤدي إلى انتقال مزيد من الحرارة والرطوبة إلى الغلاف الجوي على مدى أشهر، ويعزز مؤقتًا الاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية.
وتشبه الظروف الحالية بعض أقوى موجات الظاهرة المسجلة خلال عامي 1997 و1998، ثم 2015 و2016، عندما تعرضت إندونيسيا والفلبين وأجزاء من الأمريكتين للجفاف، في حين شهدت مناطق من جنوب الولايات المتحدة وغربها أمطارًا غزيرة، إلا أن الموجة الحالية تتشكل في عالم أكثر حرارة بالفعل.
ونقلت «بلومبرج» عن زيك هاوسفاذر، الباحث العلمي في «بيركلي إيرث»، قوله: إن هناك أدلة على أن المحيط الهادئ لم يشهد ظروفًا مماثلة منذ نحو 1000 عام، مشيرًا إلى احتمال أن تكون الموجة الحالية من أقوى أحداث «النينيو» خلال تلك الفترة، وهي مسألة لا تزال محل نقاش بين الباحثين.
وعلى صعيد المؤشرات المناخية، سجل سبتمبر 2026 ثاني أكبر انحراف عن المعدلات الطبيعية لدرجات الحرارة بين جميع الأشهر، بعد سبتمبر 2023 وأغسطس 2026.
كما سجلت 53 دولة أرقامًا قياسية محلية للحرارة، فيما شهدت إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، ضمن مناطق جنوب غرب أوروبا، درجات حرارة غير معتادة في أواخر الصيف.
وتجاوزت الأرقام القياسية المسجلة في ثماني دول، من بينها سنغافورة والإمارات العربية المتحدة وبوركينا فاسو، مستوياتها السابقة بأكثر من نصف درجة مئوية.
ولا تقتصر تداعيات «النينيو» على البيئة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي عبر قنوات متعددة، في مقدمتها الزراعة وأسواق الغذاء. فالجفاف والفيضانات قد يتسببان في تراجع المحاصيل وتعطل سلاسل الإمداد، ما يقلص المعروض من السلع الزراعية ويدفع أسعارها إلى الارتفاع، ويزيد الضغوط التضخمية، خاصة في الدول التي تعتمد على استيراد الغذاء لتلبية احتياجاتها.
كما تفرض الكوارث المناخية أعباء إضافية على الموازنات العامة، نتيجة ارتفاع الإنفاق على الإغاثة والدعم والتحويلات الاجتماعية، فضلًا عن زيادة الخسائر التي تتحملها قطاعات التأمين والطاقة والمياه والنقل.
وقد أشارت تقارير سابقة نقلتها «بلومبرج» إلى أن الظاهرة يمكن أن تدفع ملايين الأشخاص نحو مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فضلًا عن تهديدها إنتاج الكاكاو في غرب إفريقيا، وهي منطقة رئيسية في الأسواق العالمية لهذه السلعة.
وفي مواجهة هذه المخاطر، تبرز أهمية إدراج التقلبات المناخية ضمن السياسات الاقتصادية والمالية، من خلال تعزيز الاحتياطيات الغذائية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير آليات التمويل والتأمين ضد الكوارث، إلى جانب دعم قدرة القطاعات الحيوية على التكيف مع الصدمات المناخية.
ومع اقتراب «النينيو» من ذروتها المتوقعة في ديسمبر، ستظل تداعياتها المحتملة على الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء والسلع الأساسية محل متابعة من الحكومات والأسواق، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار الضغوط المناخية على الاقتصاد العالمي خلال العام المقبل.