قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

الإفتاء: صناعة المفتي تتطلب التخصص والتدريب العملي وفهم مقاصد الشريعة وأحوال الناس

الشيخ عويضة عثمان
الشيخ عويضة عثمان

عقد مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية دورة تدريبية لطلاب جمعية «سفراء الهداية» الوافدين الدارسين بالأزهر بعنوان «منهجية الفتوى المعاصرة»، بمشاركة عدد من أمناء الفتوى والباحثين بدار الإفتاء المصرية، وذلك في إطار جهود الدار لتأهيل المتصدرين للفتوى وتنمية مهاراتهم العلمية والعملية في التعامل مع القضايا المعاصرة، وتعريفهم بالمنهجيات العلمية التي تضبط عملية الإفتاء وتحقق التوازن بين الأحكام الشرعية وواقع الناس واحتياجاتهم.

افتتح البرنامج التدريبي نيابة عن فضيلة مفتي الجمهورية، الدكتور أحمد ممدوح، عضو الهيئة الاستشارية العليا لفضيلته، ناقلًا إلى المتدربين تحيات فضيلة المفتي، ومؤكدًا أهمية اكتساب المهارات اللازمة للتعامل مع المستفتين وفهم طبيعة أسئلتهم والوقوف على ظروفهم وأحوالهم، بما يعين على تقديم إجابات منضبطة تحقق مقاصد الشريعة وتراعي المصلحة، مشيرًا إلى أن الإفتاء ليس مجرد استحضار للأحكام الفقهية، وإنما هو عملية علمية تتطلب حسن التصور ودقة الفهم والقدرة على التواصل مع السائل.

وفي محاضرته التي جاءت بعنوان «مهارات الرد على المستفتين»، أوضح الدكتور أحمد ممدوح أن اختلاف أحوال المستفتين قد يقتضي اختلاف الإجابة عن السؤال الواحد، مستشهدًا بما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما في اختلاف إجابته عن توبة القاتل بحسب حال السائل، إذ قد يكون المقصود فتح باب الرجاء أمام شخص، بينما يكون المقصود ردع آخر عن جريمة يخشى وقوعه فيها، لافتًا إلى أن المفتي ينظر في واقع المستفتي والمصلحة المتحققة من الفتوى، سواء أكانت عاجلة أم آجلة، فقد تتحقق المصلحة بالتيسير في موضع، وبالتشديد في موضع آخر، وفق الضوابط الشرعية، انطلاقًا من القاعدة المقررة بأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

وأضاف أن المستفتي شريك في صناعة الفتوى؛ لأنه يمد المفتي بالمعلومات التي يبني عليها جوابه، ومن ثم فإن دقة الإجابة ترتبط بمدى وضوح السؤال وصحة تصور الواقعة، مشددًا على أهمية حسن استقبال المستفتي والبشاشة في التعامل معه وطمأنته، والحفاظ على سرية معلوماته وأسراره، بما يزيل عنه الحرج ويعزز الثقة بينه وبين المفتي، مع ضرورة التمييز بين الحكم على الفعل والحكم على فاعله، وعدم إغفال الظروف المحيطة بالواقعة عند النظر في السؤال.

وتناول عضو الهيئة الاستشارية العليا لفضيلة المفتي أهمية الاستماع الفعال الذي لا يقتصر على الإنصات إلى كلمات السائل، وإنما يمتد إلى تكوين تصور واقعي متكامل عن المسألة، والتقاط الكلمات المفتاحية وإعادة صياغة ما فهمه المفتي للتأكد من دقة التصور، إلى جانب التمييز بين السؤال الظاهر والسؤال المستتر الذي قد يستهدف إدانة شخص آخر أو التهرب من التزام أو توجيه اللوم إلى الغير، محذرًا من الأسئلة المفخخة التي تتطلب بصيرة بحيل الناس ومقاصدهم، ومؤكدًا ضرورة الاستفصال عن التفاصيل المؤثرة في الحكم، والتمييز بين الأسئلة المفتوحة التي تتفرع عنها موضوعات متعددة والأسئلة المغلقة المحددة.

وأشار إلى أن التعامل مع المستفتين يستلزم مراعاة الفروق النفسية بينهم؛ فالغاضب يحتاج إلى التهدئة، والمتشكك إلى الطمأنة، والخجول إلى التشجيع، والموسوس إلى عدم الإغراق في التفاصيل، والباحث عن الرخصة إلى توجيهه نحو الورع، والثرثار إلى ضبط الحوار ومنعه من الاستطراد، مستشهدًا بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع من سألوه عن مسائل محرجة أو استنكروا بعض الأحكام، ومن ذلك موقفه من الشاب الذي استأذنه في الزنا، وموقفه ممن بال في المسجد، وموقفه ممن استنكر نسبة ولد إلى أبيه، فضلًا عن إنكاره صلى الله عليه وسلم على من أفتوا بغير علم في واقعة التيمم، مؤكدًا أن حسن التعامل مع السائل وفهم دوافعه من أهم أدوات الوصول إلى الفتوى المناسبة.

وتلا ذلك محاضرة للدكتور مصطفى عبد الكريم مراد، أمين الفتوى ومدير إدارة البوابة الإلكترونية بدار الإفتاء المصرية، بعنوان «تحليل الفتوى ومعايير نقدها»، تناول خلالها مفهوم الفتوى بوصفها بيانًا لحكم الشرع في واقعة معينة لمستفتٍ، موضحًا أنها تختلف عن الفقه من حيث إن الفقه يتناول الأحكام والقواعد بصورة عامة، بينما ترتبط الفتوى بواقعة محددة لها ظروفها وملابساتها، وهو ما يستلزم من المفتي الجمع بين المعرفة الشرعية الدقيقة والإدراك الصحيح للواقع الذي تنزل عليه الأحكام، حتى لا يصدر حكمًا دون تصور مكتمل لحقيقة المسألة.

وأوضح الدكتور مصطفى عبد الكريم مراد أن فهم الواقع يقتضي إدراك أربعة عوالم رئيسية، هي عالم الأشخاص وعالم الأشياء وعالم الأفكار وعالم الأحداث، مبينًا أن عالم الأشياء يتطلب معرفة حقيقة موضوع الفتوى وخصائصه، وضرب مثالًا بالقهوة التي اختلفت بشأنها بعض الاجتهادات قديمًا بسبب تصورها على نحو يقارب المسكرات، ثم اتضح اختلاف حقيقتها وأثرها عن الخمر، بما أتاح الحكم عليها وفق حقيقتها، وقد تتغير أحكام بعض الأشياء تبعًا لتغير حقيقتها بالاستحالة، وهو ما يستلزم التحقق من طبيعتها قبل إصدار الفتوى، وعدم الاكتفاء بالتصورات الشائعة عنها.

وفي حديثه عن عالم الأحداث، أشار إلى أن الأخبار والوقائع المتداولة قد يترتب عليها بناء الأحكام والقرارات، وهو ما يوجب على المفتي التثبت من صحتها ودقتها قبل الاستناد إليها، مستشهدًا بما قد تقتضيه الأوبئة من إجراءات احترازية لحماية الأنفس، باعتبار حفظ النفس أحد المقاصد الشرعية، كما تناول عالم الأفكار، موضحًا أن بعض الممارسات لا يمكن الحكم عليها من خلال صورتها الظاهرة وحدها، وإنما ينبغي النظر في خلفياتها الفكرية والفلسفية ومضامينها، مستشهدًا باليوجا التي تتجاوز في بعض صورها مجرد الحركات والتمارين الرياضية إلى منظومة فكرية أوسع، مؤكدًا أن إدراك هذه العوالم يسهم في بناء تصور صحيح للواقع وضبط عملية الاستدلال.

وبيَّن أن عملية الإفتاء تمر بمراحل مترابطة تبدأ بتصوير الواقعة وإدراك حقيقتها، ثم تكييفها الفقهي، والاستدلال بالأدلة الشرعية، وتنزيل الحكم على محل السؤال، وصولًا إلى صياغة الفتوى، مشيرًا إلى أن بعض المعاملات والعقود المعاصرة قد تحتاج إلى دراسة خصائصها ومقارنتها بالعقود المعروفة في الفقه، مع مراعاة ما تتضمنه من ضرر أو غرر أو جهالة، وعدم إصدار الحكم قبل استكمال التصور والتكييف، كما لفت إلى أن اختلاف العلماء في فهم الدليل الواحد أمر معتبر في الاجتهاد، وأن المفتي ينبغي أن يدرك طبيعة الخلاف الفقهي ويميز بين المسائل الاجتهادية والمسائل المتفق عليها.

 القواعد المهمة في منهج الإفتاء

وأكد أن من القواعد المهمة في منهج الإفتاء أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد المختلف فيها على النحو الذي يكون في المسائل المجمع عليها، وأن الأخذ بقول معتبر من أقوال العلماء عند الحاجة قد يكون سبيلًا إلى رفع المشقة والحرج، مع استحباب الخروج من الخلاف متى كان ذلك ممكنًا، مشددًا على أن اختيار الفتوى المناسبة للمجتمع لا يعني الخروج عن الأصول الشرعية، بل يستلزم فهم الواقع وتحقيق المصالح في إطار القواعد والضوابط المعتبرة.

واختُتم اليوم التدريبي بمحاضرة للشيخ عويضة عثمان، مدير الإدارة العامة للإرشاد الزواجي بدار الإفتاء المصرية، بعنوان «التعريف بالمؤسسات الإفتائية»، أكد خلالها أن التصدر للفتوى مسؤولية عظيمة تستوجب الإخلاص والتثبت واستشعار المساءلة أمام الله تعالى عن كل كلمة، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة الذين تُسعَّر بهم النار، ومنهم من تعلم القرآن وعلمه ليقال قارئ، مبينًا أن العلم وحده لا يكفي للتصدر للإفتاء، وأن المفتي يحتاج إلى فقه ودربة وممارسة عملية تؤهله لفهم الأسئلة وتنزيل الأحكام على الوقائع، فالفتوى فقه وزيادة، والمؤسسات الإفتائية تضطلع بدور أساسي في إعداد المفتين وتدريبهم على ممارسة هذه المهمة وفق منهج علمي منضبط.

وأوضح الشيخ عويضة عثمان أن الفتوى إخبار عن حكم شرعي في واقعة معينة بدليل شرعي لسائل من غير إلزام، وأن الأحكام الشرعية العامة قد تكون ثابتة، بينما تتغير الفتوى بتغير أحوال الأشخاص والزمان والمكان والعرف والملابسات المؤثرة، مستشهدًا باختلاف إجابة النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال القبلة للصائم بحسب حال السائل، بما يعكس مراعاة القدرة على ضبط النفس واختلاف الظروف، كما أشار إلى أن المؤسسات الإفتائية تدرب المفتي على فهم نفسية المستفتي وتهيئته للسؤال، ومنحه الوقت اللازم لعرض مسألته، والاستماع إليه بتأنٍّ حتى تتضح حقيقة الواقعة وتصبح الإجابة أكثر دقة وملاءمة.

وتناول دور المؤسسات الإفتائية في تحقيق المصالح ومراعاة تغير أحوال الناس، مستشهدًا بمواقف من السيرة النبوية، ومنها إعطاء المؤلفة قلوبهم، وما جرى في شأنه من اجتهادات لاحقة ارتبطت بتغير الظروف، وكذلك اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن الأراضي التي تُترك دون إعمار، بما يحقق المصلحة ويمنع احتكارها دون استثمارها، لافتًا إلى ما قرره عدد من العلماء، ومنهم ابن القيم وابن عابدين، بشأن أثر تغير الأحوال والأعراف في الفتوى، ومؤكدًا أن النظر في المصالح ومقاصد الشريعة من الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الممارسة الإفتائية المعاصرة.

وشدد على أن صناعة المفتي تحتاج إلى التلمذة والممارسة ومجالسة العلماء، وأن دراسة الفقه وحدها لا تكفي لتكوين مفتٍ قادر على التعامل مع الوقائع المعقدة، مستشهدًا بما نُقل عن أحد تلامذة الإمام مالك من أنه حفظ كثيرًا من الكتب، لكنه لم يستطع التصدر للإفتاء حين جلس له، موضحًا أن الاقتصار على نقل الأحكام من الكتب دون امتلاك أدوات الفهم والاستدلال قد يؤدي إلى فتاوى تفضي إلى سفك الدماء وإثارة الفتن وإزهاق الأرواح، وأن التجديد في الفتوى يعني فهم احتياجات المجتمع والاستجابة لها في إطار الأصول الشرعية الثابتة، لا التحلل منها أو الأخذ بالشاذ من الآراء.

التيسير المنضبط

وأشار إلى أن منهج المؤسسات الإفتائية يقوم على التيسير المنضبط، وجمع النصوص الشرعية والنظر إليها في سياق متكامل، وفهم أسباب ورود الأحاديث ومقاصد الأحكام، والتفريق بين الثابت والمتغير، والنظر في مآلات الفتوى قبل إصدارها، محذرًا من القراءة المجتزأة للنصوص أو الاعتماد على دليل واحد بمعزل عن بقية الأدلة، لما قد يترتب على ذلك من فهم خاطئ وفتاوى متطرفة، كما نبه إلى خطورة الجهل بمقاصد الشريعة وأحوال الناس، وعدم مراعاة تغير الأعراف وعموم البلوى، مؤكدًا أن المؤسسات الإفتائية مطالبة بإعداد جيل يمتلك أدوات الاستدلال والنظر المقاصدي والقدرة على التعامل مع قضايا العصر، بما يسهم في الحد من الاضطراب في الفتوى وحماية المجتمعات والأوطان.

من جانبه، تقدم ياسر عبد الهادي، مدير  البرامج والأداء بجمعية سفراء الهداية، بالشكر إلى دار الإفتاء المصرية على تنظيم الدورة التدريبية، مشيدًا بأهمية التأهيل العلمي والعملي في مجال الإفتاء، ومؤكدًا أن الفتوى صناعة دقيقة تشبه صياغة الذهب؛ فكلما أُحسن بناؤها كانت أكثر رسوخًا وأثرًا، بينما قد تؤدي الفتوى غير المنضبطة إلى نتائج مدمرة، موضحًا أن الفتوى تتأثر بتغير الزمان والمكان والأحوال، وتحتاج إلى الممارسة ومجالسة العلماء، لما لها من دور في توجيه المجتمع إلى المسار الصحيح وضبط فهم الأحكام الشرعية وتنزيلها على واقع الناس.