إذا كانت إسرائيل وأمريكا تمتلكان تكنولوجيا واستخبارات مرعبة اخترقت حصون طهران واغتالت المرشد تحت الأنقاض، ودمرت القادة تحت الجبال، واغتالت حسن نصر الله في لبنان ومعه مئات القادة تحت الأرض بمئات الأمتار،فلماذا لا يقوموا بنفس الأمر تجاه منصات صواريخ ومسيرات ميليشيات الحوثي البدائية نسبياً في جبال وسواحل اليمن حتى من باب الشراكة الاقتصادية والتحالف الأمني القوي الذي يربط أمريكا مع السعودية منذ تحرير الكويت؟
وما يزيد الأمر شبهة وتآمرا بين الحوثي والصهاينة الأمريكان هو تجنبهم التدخل في هذا الشأن ليس خوفا من الحوثي كما أوضحنا ولكنه توظيفا للحوثي في إنهاك القوتين السعودية واليمنية حتى يظهر الشرق الأوسط الجديد الذي تهيمن فيه اسرائيل أو يدفع السعودية ومصر للدخول في الحلف الابراهيمي.
لو أرادت واشنطن وتل أبيب مسح البنية التحتية الحوثية في صعدة والحديدة غداً صباحاً لفعلنَ ببساطة شديدة، فالقدرات الجوية والاستطلاعية والأقمار الصناعية تفوق بكثير ما تم استخدامه في غزة أو لبنان أو إيران.
لكن الفارق الجوهري هو أن التهديد الحوثي هذه المرة لا يمس المصالح الأمريكية والصهيونية، لكنه يضرب الاقتصاد المصري عبر قناة السويس، ويستنزف دول الخليج.
الغرب لا يريد القضاء على الحوثي فهو بقرة حلوب لصفقات السلاح التي تشتريها السعودية والخليج من السلاح الأمريكي والغربي بمئات بمليارات الدولارات.
كما أن إبقاء باب المندب في حالة توتر دائم يمنح القوى الكبرى مبرراً شرعياً داهماً لتواجد أساطيلها العسكرية وقواعدها في البحر الأحمر وخليج عدن للتحكم في حركة التجارة العالمية الكبرى (خصوصاً التجارة الصينية الآسيوية المتجهة لأوروبا).
إن السعودية تمنح أمريكا القدر الأكبر من الاستقرار الاقتصادي، والطاقة، والتحالف الاستراتيجي التاريخي وتقدم لواشنطن ما لا تقدمه أي دولة أخرى في العالم (شراكة طاقة، استثمارات عملاقة، تحالفات استراتيجية كبرى)،بينما تقوم أمريكا بتوريط السعودية والإمارات وتمكين الحوثي من نصر حاسم ومطلق في اليمن، لأن الانتصار العربي الحاسم في اليمن يعني صعود قوة إقليمية مستقلة بذاتها تمتلك قرارها وتؤمن عمقها الاستراتيجي بلا وصاية غربية، وهو ما لا تريده أمريكا وإسرائيل.
ولذلك فإن واشنطن تفضل دائماً إبقاء الخليج كله في حالة "حاجة أمنية" دائمة للمظلة الأمريكية، وهي نفس اللعبة التي أجادتها أمريكا في الحروب الخليجية الثلاثة،وهو الأمر الذي تفهمته السعودية هذه المرة فسارعت بتحالف تركيا وباكستان، كما أنه الأمر نفسه الذي تفهمته مصر فبادرت بإعلان رغبتها بالمشاركة في الدفاع عن المملكة.