ألقى الدكتور محمود الهواري، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية، خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر الشريف، تحت عنوان «حراسة الهوية»، مؤكدًا أن معركة الوعي تمثل أخطر المعارك التي تواجه الأمة، وأن الحفاظ على الهوية مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا حقيقيًا وعملًا إيجابيًا لحماية ثوابتها وترسيخ قيمها في نفوس الأجيال.
وقال الدكتور محمود الهواري إن الأمة تواجه تحديات متعددة تمس حدودها وثرواتها ومقدراتها، وتمتد إلى عقول شبابها ومفاهيمها وثوابتها، مشيرًا إلى أن أخطر هذه التحديات تتمثل في معركة الوعي، التي تستهدف تشكيل أفكار الأجيال وتوجيه سلوكها، وهو ما يجعل حراسة الهوية واجبًا على الجميع، تمامًا كما تمثل حماية الأرض والحدود مسؤولية وطنية لا يمكن التفريط فيها.
وأوضح أن الهوية ليست مجرد مظهر تراثي أو شعارات ترفع في المناسبات، وإنما هي منظومة متكاملة توجه سلوك الإنسان وتحدد رؤيته للحياة، وتعبر عن الإجابة عن الأسئلة الكبرى: من نحن؟ ولماذا نعيش؟ وإلى أين نتجه؟
مكونات الهوية الإسلامية
وبيّن خطيب الجامع الأزهر أن الهوية الإسلامية تقوم على أربعة مكونات رئيسية، هي العقيدة والإيمان، والأخلاق والقيم، واللغة العربية، والتاريخ والأحداث، فالعقيدة تمثل الأساس الذي يربط الإنسان بخالقه ويمنحه رؤية واضحة للكون والحياة، والأخلاق من صدق وأمانة وعدل ورحمة وإحسان تمثل الإطار الضابط للسلوك والمعاملات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق، أما اللغة العربية فتمثل وعاء الوحي والفكر وحافظة التراث، وهي اللغة التي اصطفاها الله تعالى لكتابه العزيز، فيما يشكل التاريخ الذاكرة الحية للأمة، بما يحمله من نماذج مضيئة وإسهامات علمية وحضارية تمنح الأجيال الثقة في قدرتها على البناء والنهوض.
وحذّر الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، من محاولات استهداف مكونات الهوية، التي تسعى إلى التشكيك في العقيدة وإضعاف اليقين، وتفكيك منظومة الأخلاق والقيم، وتهميش اللغة العربية وتصوير الاعتزاز بها باعتباره انفصالًا عن الواقع، فضلًا عن تشويه التاريخ الإسلامي واختزال مسيرته في جوانب سلبية، بما يؤدي إلى قطع صلة الأجيال بماضيها وإضعاف انتمائها الحضاري.
كما حذّر من خطورة ما تبثه بعض المنصات والشخصيات والمحتويات الإعلامية والدرامية من أفكار وشبهات تستهدف وعي الشباب، مؤكدًا أن مواجهة هذه التحديات تتطلب بناء وعي راسخ، وتعزيز الثقة في الدين والتراث، وعدم ترك الأبناء فريسة للمحتوى الذي يستهدف عقولهم وقيمهم.
واستعرض الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية عددًا من النماذج التي تجسد الثبات على الهوية والاعتزاز بها، من بينها قصة الغلام المؤمن وأصحاب الأخدود، الذين تمسكوا بإيمانهم رغم ما تعرضوا له من تهديد واضطهاد، مستشهدًا بقول الله تعالى: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، وقوله سبحانه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير.
كما أشار إلى موقف الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه أمام قائد الفرس رستم، وما جسده من اعتزاز بالهوية الإسلامية ورسالتها القائمة على إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
وشدد الدكتور محمود الهواري على أن حراسة الهوية مسؤولية الجميع، ولا تتحقق بمجرد التحذير من التحديات أو استدعاء أمجاد الماضي، وإنما بالعمل الجاد من خلال أربعة مسارات؛ أولها التحصين العقدي والفكري بنشر الوعي الصحيح وتعليم الأبناء أصول دينهم ومحاسن شريعتهم وكيفية التعامل مع الشبهات المعاصرة، وثانيها حماية الأسرة باعتبارها المحضن الأول لبناء الوعي وترسيخ الأخلاق، وثالثها الاعتزاز باللغة العربية واستخدامها في الحياة اليومية وتربية الأجيال على حبها، ورابعها إعادة قراءة التاريخ بروح من الإنصاف والاعتزاز، وتعريف الشباب بإسهامات الحضارة الإسلامية في مختلف العلوم ومجالات الحياة.
واختتم خطبته بالتأكيد على أن الاعتزاز بالهوية لا يعني الانغلاق أو العزلة عن العالم، وإنما يعبر عن الثقة بالنفس والقدرة على التفاعل مع الحضارات المختلفة، والأخذ منها بما ينفع وترك ما يتعارض مع الثوابت والقيم، مشيرًا إلى أن الأمة التي تحافظ على هويتها تمتلك مقومات استقلالها وقدرتها على الإسهام في بناء الحضارة الإنسانية، وأن العالم في حاجة إلى ما تحمله الرسالة الإسلامية من قيم روحية وأخلاقية وإنسانية. ودعا الله سبحانه وتعالى أن يحفظ الأمة وهويتها الإسلامية، وأن يثبت أبناءها على دينه القويم، وأن يعز الإسلام والمسلمين.

