غزوة الصناديق
في يوم شبيه بيومنا هذا، وبالتحديد في السابع عشر من مارس عام 2011، وقعت غزوة الصناديق الأولى، تلك الغزوة التي قالت فيها الصناديق للدين "نعم"، وانتصر بني إسلام علي بني علمان.
في غزوة الصناديق الأولى اتحد دعاة الدين وأدعياؤه لحشد المواطنين للتصويت بـ"نعم" نصرة لله ورسوله، فكانت "نعم" واجبًا شرعيًا تقود صاحبها للجنة أما "لا" فهي "حرام حرام حرام" تلقي بصاحبها في أودية النار وبئس المصير.
واليوم وبعد حوالي 34 شهرًا على غزوة الصناديق الأولى يتكرر نفس السيناريو مع بعض الاختلاف البسيط بعد أن انقسم أصحاب اللحى ورجال الدين وأدعيائه إلى نصفين أحدهما يري "نعم" نصرة للدين والهوية، والآخر يراها حرباً على الإسلام والعقيدة!، وأصبحت "لا" التي كانت تقود صاحبها إلى التهلكة في غزوة الصناديق من فضائل الأعمال، وصارت المقاطعة "واجبًا شرعيًا"، بعد أن كانت سلبية لا تليق بالمسلم!.
مصيبة مصر أن الله ابتلاها بمن يتحدث عن الدين وهو أبعد ما يكون عنه، الدين بالنسبة لبعضهم "أكل عيش"، والشريعة بالنسبة لهم "مطية" للحصول على منصب أو الوصول لسلطة زائلة، وهم في سبيل ذلك لا يتورعون عن "لي" عنق الآيات وتحريف الأحاديث ونشر الشائعات لتحقيق هدفهم الأسمي الذي لا علاقة له بالدين.
هذه الفئة من أصحاب "اللحى الميكافيلية" تراهم في كل مكان مع السلطة والمعارضة، ففريق منهم يزينون لأهل السلطة الآن أعمالهم ويباركون أخطاءهم ويكفرون معارضيهم، وفريق آخر يكفر السلطة ويدعي الثورية ويزعم البحث عن الشهادة، ويحشد الناس في الشوارع رغم علمه بحجم الخطر الذي يصاحب ذلك وحجم الدماء التي تسيل يوميًا، ولكن كل هذا لا قيمة له في سبيل تحقيق حلم التمكين الواهي حتى لو كان الضحية آلاف الجثث.
مشكلة هذه اللحى التي اقتحمت عالمنا السياسي أنها لم تمارس السياسة، ولم تحافظ على طهارة الدين بل حاولت تطويعه لتحقيق أهدافها السياسية التي غلفتها بالكلمات الرنانة العاطفية لاستمالة البسطاء من المصريين، فلو صادفك حظك السيئ والتقيت مع أحد هذه النماذج ستجد أن دعاة التصويت بـ"نعم" لا تخلو كلماتهم من أن الدستور يحافظ على الهوية الإسلامية ويحفظ قيمة الشرعية.
أما دعاة المقاطعة والرفض فالدستور بالنسبة لهم حرب على الاسلام تقودها حكومة الانقلاب التي أسقطت الحاكم المسلم.. رغم أن هذا الحاكم المسلم هو أول من أعطى ترخيصاً للملاهي الليلية بالعمل 3 سنوات دون مساءلة".
مشكلة هؤلاء أنهم يحتقرون الشعب ويظنون أن هذه اللحى التايواني التي ترفع شعار "ميكافيلي قدوتي.. وغايتي تبرر وسيلتي" ما زال لها مصداقية عند عامة المصريين، لا يدرك هؤلاء أن الشعب كشف سوءتهم ولم تعد أقنعتهم المزيفة تقنع حتى أطفال المصريين.
خلاصة القول.. الدستور عمل بشري لا علاقة له بالدين التصويت فيه سواء بالموافقة أو الرفض وجهة نظر "اجتهاد" لا يأثم فاعله إن لم يؤجر، وأدعياء الدين من سلف وإخوان لا تهمهم الشريعة ولا الخلافة ولا وحدة المسلمين كما يزعمون، فالسلفيون يبحثون عن دور بعد سقوط عدوهم اللدود "الإخوان"، والجماعة لم تفق بعد من كابوس السلطة التي سقطت فجأة ومعركتهم مع النظام سقط فيها دماء ولن يعودوا بحسب قولهم قبل استعادة حق هذه الدماء ولتذهب مصر وشعبها إلى الجحيم.