شيخ الأزهر:
العلماء وضعوا شروطًا مُحكمة وموانع لابد من انتفائها بشأن أحكام التكفير
الردة جريمة والأحاديث النبوية هي من حددت عقوبة المرتد وليس القرآن
دار الإفتاء:
لا نكفر أحدًا من المسلمين بذنب ولو كان من كبائر الذنوب
على القاضي ألا يتسرع فى التكفير متى أمكن حمل الكلام على محمل حسن
أثار الدكتور أحمد حسني، المُعفى من عمله أمس كقائم بأعمال رئيس جامعة الأزهر، جدلًا كبيرًا بعد وصفه إسلام بحيري بـ«المرتد» خلال حواره له مع إحدى الفضائيات، وقرر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، تكليف الدكتور محمد حسين المحرصاوي، عميد كلية اللغة العربية بالقاهرة، بالقيام بأعماله اعتبارًا من اليوم السبت، وذلك بصفة مؤقتة لحين تعيين رئيس للجامعة وفقًا للإجراءات المحددة قانونًا.
وقدم الدكتور أحمد حسني، اعتذارًا عن وصفه إسلام بحيرى بـ"المرتد"، موضحًا أن وصف «بحيرى» بالمرتد رد غير صحيح، ويخالف منهج الأزهر الشريف، الذى يقضى بأنه لا يُخرج المرء من الإسلام إلا جحود ما أدخله فيه.
واعترف «حسني»، باستعجاله فى الرد بما ظهر أنه حكم على شخص، وهذا تجاوز لا يعبر عن منهج الأزهر أبدًا، وهو ما أدركه لاحقًا، معترفًا بأنه وقع فيه دون قصد، لأن الحكم على الأشخاص وعلى أفعالهم وأقوالهم وسلوكهم، اختصاص القضاء وليس العلماء.
ويفنّد «صدى البلد» في هذا الملف، قضية التكفير وحكمه وعقوبة المرتد، وهل يجوز لكل شخص أن ينزل حكم الكفر على آحاد الناس، وأكد العلماء أن التكفير وظيفة القاضى والمفتى، ولا يجوز لغيرهما التجرؤ والافتيات عليهما فيه، لما فى ذلك السلوك من المخاطر الشديدة، على الفرد والمجتمع.
وقال الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، إن التكفير حقٌ لله سبحانه وتعالى، وليس حقًا للعباد، موضحًا أن دليل التكفير لابد أن يكون قطعيًا لا تفسير فيه ولا تأويل.
وأوضح «شيخ الأزهر»: أنه طالما أنه ليس من حق الأفراد أن يحكموا بالكفر على شخص معين، فإن الحكم بذلك يقتصر على أولي الأمر -القاضي- على سبيل المثال طبقًا للشريعة الإسلامية المأخوذ بها في هذا المجال إن وجد.
ونبه على أن الأزهر لا يكفر مسلمًا ما دام أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلى صلاتنا، ويتجه نحو القبلة، ويؤكل من ذبيحتنا، استنادًا إلى الحديث الشريف، أن مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا يُحَرِّمُ دَمَ العَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلاَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ المُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُسْلِمِ».
وشدد الإمام الأكبر، على أن العلماء وضعوا شروطًا مُحكمة لابد من تحققها وموانع لابد من انتفائها بشأن أحكام التكفير، منوهًا بأن الذي يكفر يكون من خلال الأحكام القضائية، وأن يكون "القاضي" عالمًا بالشيء الذي يفتي فيه، ويعلم علم اليقين أنه مكفر في الإسلام كالذي ينكر أصلًا من أصول الإسلام عن عمد غير مضطر.
عقوبة المرتد عن الإسلام:
ورأى الإمام الأكبر أن القرآن ليس فيه ما يفيد بعقوبة الُمرتد وإنما تقوم العقوبة على أحاديث للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، مضيفًا أن تلك العقوبة ليست مطبقة فعليًا، مؤكدًا أنَّ واجبنا نحو المرتدين هو النصح والإرشاد ومخاطبة عقولهم بالحجة والبرهان.
وأكد «شيخ الأزهر» خلال برنامجه «الإمام الطيب»، أن الردة المُعاصرة تظهر فى ثوب الجريمة والاعتداء والخيانة العظمى، ونتعامل معها الآن على أنها جريمة يجب أن تقاوم وأن تكون فيها عقوبة من العقوبات التعزيرية، موضحًا أن حد المجاهر بردته الخارج على المجتمع وردت فيه نصوص شرعية، مشيرًا إلى خطورة المرتد -إذا كان داعية لردته- على المجتمع الإسلامي، وذلك لأن ردته هذه ناتجة عن كره للإسلام وتبييت النية على العمل ضده، فهذه فى اعتقادى خيانة عظمى وخروج على المجتمع ومقدساته.
الردة جريمة عند المذاهب الأربعة:
وأضاف أن جمهور الفقهاء وأئمة المذاهب الأربعة يعتبرون الردة جريمة، ويتفقون على أن المرتد يستتاب فى مدة مختلف فيها وإلا يقتل، والاستتابة تكون بالحوار والمناقشة لعله يتوب، وفى هذا قدر من المرونة، فلا يقتل مباشرة وإنما يستتاب، وهناك آيتان تعرضتا لذكر الردة صراحة لكن لم تقرر عقوبة دنيوية معينة أو حدا معينا وإنما تركت العقوبة إلى الآخرة وإلى الله -سبحانه وتعالى- يفعل بهم ما يشاء فى الآخرة، لكن هناك حديث شريف نص على العقوبة، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِيْ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّاركُ لِدِيْنِهِ المُفَارِقُ للجمَاعَةِ» رواه البخاري ومسلم.
ولفت الإمام الأكبر، إلى أن الفقهاء القدامى اتفقوا على أن التارك لدينه الموصوف بأنه المفارق للجماعة، ينطبق على التارك للدِّين وهو المرتد، ويتساوى فى ذلك الرجل والمرأة إلا الأحناف فقالوا: المرأة المرتدة لا تقتل؛ لأنها لا يتصور منها الخروج على المجتمع، وفى هذا ما يؤكد لنا أن الردة أو القتل كحد للردة مشروط بأن يكون المرتد خطر على المجتمع.
الردة جريمة ليس فيها عقوبة محددة:
وتابع الإمام الأكبر: وقد ذهب الفقهاء المعاصرون من أمثال شيخنا أبو زهرة والشيخ شلتوت والشيخ عبد الوهاب خلاف وغيرهم، إلى أن الردة جريمة ولكن ليس فيها حدٌ محدد، وإنما تترك لتقدير الحاكم والظروف التى يمر بها المجتمع، وفيها تعزير، موضحًا الفرق بين التعزير والحد: أن الحد عقوبة مُحددة بالقتل أو بقطع يد أو بالجلد، والتعزير فيه مرونة حيث يبدأ باللوم والعتاب والضرب للتأديب وينتهي بالقتل، فمثلا مشكلة المخدرات ليس فيها حد معين لكن الفقهاء قالوا: تعالج بالتعزير على حسب ما يراه القاضي، مبينًا أن الفقهاء المعاصرين اجتهدوا ووصلوا إلى أن حد الردة ليس هو القتل؛ لأنه غير موجود فى القرآن الكريم، ولأن الحديث الذي معنا ورد برواية أخرى.
واستطرد: عن عائشة رضى الله عنها: «لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مسلمٍ يشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ إلا بإحدَى ثلاثٍ: رجلٌ زنى بعد إحصانٍ، فإنه يُرْجَمُ، ورجلٌ خرج مُحَارِبًا للهِ ورسولِه – المرتد-، فإنه يُقْتَلُ أو يُصْلَبُ، أو يُنْفَى من الأرضِ، أو يَقْتُلُ نفسًا، فيُقْتَلُ بها» موضحًا أن هذه الرواية وصفت المرتد التارك للدِّين بأنه خرج محاربًا لله ورسوله وحدد له العقوبة، والعقوبة هنا ليست حدًّا وإنما يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض وهى عقوبة تعزيرية تطبق فى «الحرابة»، ومن ثَمَّ تكون العقوبة على مقدار خطره، وهذا هو مفهوم الفقهاء المعاصرين لعقوبة المرتد متمسكين بقوله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» (البقرة 256»، لافتًا إلى أن هناك أصواتًا في الفقه القديم ترى أن الردة لا حد فيها بالقتل واستدلوا على ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى امرأة مقتولة وقال: لم قتلتموها؟ فقال: «ما كانت هذه لتقاتل»؛ لأن هذه لا يتصور منها خطر على المجتمع حتى تقتل.
التكفير ليس من حق المؤسسات الدينية:
وألمح الدكتور محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، إلى أنه ليس من حق أي مؤسسة دينية أن تكفر شخصًا أو جماعة أو أى تنظيم من التنظيمات،مضيفًا أن الكفر هو أمر قلبي لدى الإنسان فإذا نطق به صراحة بأنه لم يؤمن بالله تعالى ولا بسيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- ولا بالرسل الكرام ففى هذه الحالة فقط نقول له "أنت كافر".
وأشار عضو مجمع البحوث الإسلامية، إلى أنه لايستطيع أحد أن يكفر شخصًا ما لمجرد الاختلاف فى الآراء، مستشهدًا بقول الله تعالى لنبيه الكريم: «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ» (سورة الغاشية 21 و22).
قتل المرتد في الدين:
وذكر الدكتور محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، أن العلماء اختلفوا في حكم قتل المرتد على 3 آراء، موضحًا أن أصحاب الرأي الأول قالوا يقتل المرتد الذي دخل الإسلام ونطق الشهادة بيقين ثم ارتد بعدها وأنكر معلومًا من الدين بالضرورة كإنكار الصلاة والصوم.
وأيد «الجندي»، أصحاب الرأي الثاني الذي قالوا: «إن المرتد لا يقتل وإنما سيظل محبوسًا حتى يستتاب إلى أن يموت، واستشهدوا بأن القرآن الكريم لم يذكر عقوبة للمرتد، موضحين أن المقصود من قوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ، فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. أي يحبط عمله ويكون غير مقبول في الدنيا وجزاؤه في الآخرة يكون «جنهم»، مؤكدًا أنه يميل إلى هذا الرأي، لافتًا إلى أن الرأي الثالث يقول بضرورة قتل المرتد واستشهدوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من بدل دينه فاقتلوه»، مؤكدًا أن هذا الحديث غير صحيح لأن في تواتره شبهة.
تعريف التكفير:
وعرّفت دار الإفتاء، الكُفر لغةً بأنه نقيض الإيمان، فيقال: كفر بالله (من باب نصر) يكفر كفرًا وكفورًا وكفرانا، فهو كافر، والجمع: كفار، وكفرة. وهو: كفار أيضًا، وهو: كفور، والجمع: كفر. وهى: كافرة، والجمع: كوافر، أما الكفر شرعًا: فإنكار ما علم ضرورة أنه من دين سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- كإنكار وجود الصانع، ونبوته -عليه الصلاة والسلام- وحرمة الزنا ونحو ذلك.
ونقلت دار الإفتاء، رأي الإمام الغزالي في ذلك: «كل حكم شرعى يدعيه مدع فإما أن يعرفه بأصل من أصول الشرع من إجماع أو نقل أو بقياس على أصل، وكذلك كون الشخص كافرا إما أن يدرك بأصل أو بقياس على ذلك الأصل، والأصل المقطوع به أن كل من كذب محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر».
وعرضت ما جاء فى كتاب "المعيار المعرب" للونشريسى: قال الأبيارى وغيره: «وضابط ما يكفر به ثلاثة أمور: أحدها: ما يكون نفس اعتقاده كفرًا كإنكار الصانع وصفاته التى لا يكون إلا صانعًا بها، وجحد النبوءة، والثانى: صدور ما لا يقع إلا من كافر،والثالث: إنكار ما علم من الدين ضرورة؛ لأنه مائل إلى تكذيب الشارع. وهذا الضابط ذكره الشيح عز الدين ابن عبد السلام فى قواعده، والقرافى فى قواعده وغيرهم»، منوهت بأن القرافى قال: «وأصل الكفر إنما هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية، إما بالجهل بوجود الصانع، أو صفاته العلية، أو جحد ما علم من الدين بالضرورة».
لا يكفر المسلم بذنب فعله:
وحذرت دار الإفتاء، أن من أصول عقيدة المسلمين أنهم لا يكفرون أحدًا من المسلمين بذنب، ولو كان من كبائر الذنوب -فى ما دون الشرك- قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا» (سورة النساء: 48)، موضحة أنهم لا يحكمون على مرتكبها بالكفر، وإنما يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان ما لم يستحله؛ لأن أصل الكفر هو التكذيب المتعمد، وشرح الصدر له، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه. قال تعالى: «مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (سورة النحل: 106)، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل...».
واستندت إلى ما قاله الإمام النووى: «اعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع (الخوارج، المعتزلة، الرافضة، وغيرهم)، وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه، فيعرف ذلك، فإن استمر حكم بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التى يعلم تحريمها ضرورة».
حكم التكفير:
واعتبرت دار الإفتاء، أن الوصف بالكفر دائر بين حكمين: أحدهما: التحريم، وذلك إذا كان من يوصف بالكفر مسلمًا باقيًا على إسلامه، ولم يقم الدليل على كفره؛ لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا» (سورة النساء 94) ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذى له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله فى ذمته". وقوله: "أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه».
واستكملت: ثانيهما: الوجوب، إذا كان وصف الكفر صادرًا ممن هو أهل له من المفتين والقضاة، وكان من وصف به مستحقًا له ممن توافر فيه شروط الكفر سابقة الذكر.
التكفير مسألة فقهية من اختصاص أهل الفتوى والقضاء:
ونبهت على أن التكفير مسألة فقهية، بمعنى أنها حكم شرعى يوصف به فعل من كان مكلفًا بالشرع، كما قال الغزالى -رضى الله عنه- فى كتاب الاقتصاد: «إن هذه مسألة فقهية، أعنى الحكم بتكفير من قال قولا وتعاطى فعلا، فإنها تارة تكون معلومة بأدلة سمعية وتارة تكون مظنونة بالاجتهاد، ولا مجال لدليل العقل فيها البتة، ولا يمكن تفهيم هذا إلا بعد تفهيم قولنا: إن هذا الشخص كافر والكشف عن معناه، وذلك يرجع إلى الإخبار عن مستقره فى الدار الآخرة وأنه فى النار على التأبيد؛ وعن حكمه فى الدنيا وأنه لا يجب القصاص بقتله ولا يمكن من نكاح مسلمة ولا عصمة لدمه وماله، إلى غير ذلك من الأحكام».
واستكملت: أن الإمام الغزالي قال أيضًا فى كتاب "فيصل التفرقة": «الكفر حكم شرعى، كالرق والحرية مثلا؛ إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود فى النار، ومدركه شرعى فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص»، وقال أيضا: «قد ظن بعض الناس أن مأخذ التكفير من العقل لا من الشرع وأن الجاهل بالله كافر، والعارف به مؤمن. فيقال له: الحكم بإباحة الدم والخلود فى النار، حكم شرعى لا معنى له قبل ورود الشرع».
ولفتت إلى أن الإمام السُبكى قال فى الفتاوى: «التكفير حكم شرعى سببه جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحدًا»، وقال الشهرستاني: «وللأصوليين خلاف فى تكفير أهل الأهواء مع قطعهم بأن المصيب واحد بعينه؛ لأن التكفير حكم شرعى، والتصويب حكم عقلى».
يجب على المفتين والقضاة الاحتياط فى إنزال حكم الكفر المعين:
ونوهت بأنه على الرغم من أن قضية إنزال حكم الكفر خاصة بالمفتين والقضاة إلا أن العلماء لم يفوتهم أن ينبهوا على الاحتياط فى هذا الشأن؛ لذلك تضافرت أدلة الشرع الشريف على وجوب الاحتياط فى تكفير المسلم، قال تعالى: «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا». فحذرهم من التسرع فى التكفير، وأمرهم بالتثبت فى حق من ظهرت منه علامات الإسلام فى موطن ليس أهله بمسلمين.
ونصحت: فعليه فلا ينبغى التسرع فى تكفير المسلم متى أمكن حمل كلامه على محمل حسن، وما يشك فى أنه كفر لا يحكم به، فإن المسلم لا يخرجه عن الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه؛ إذ الإسلام الثابت لا يزول بالشك.
ولخصت أن التكفير وظيفة القاضى والمفتى، ولا يجوز لغيرهما التجرؤ والافتئات عليهما فيه، لما فى ذلك السلوك من المخاطر الشديدة، على الفرد والمجتمع.