«ما أكرمك أيتها الأرض وما أطول أناتك، نحن نجدف وأنت تباركين، نحن ننجس وأنت تطهرين، نحن نهجع ولا نحلم، وأنت تحلمين في سهرك السرمدي، نحن نكلم صدرك بالسيوف، وأنت تغمرين كلامنا بالزيت والبلسم، نحن نستودعك الجيف، وأنت تملئين بيادرنا بالأغمار ومعاصرنا بالعناقيد»، تلك إحدى مقولات الراحل الكبير جبران خليل جبران عن الأرض، حيث أنه منذ وطفلته وأصبح يتنقل من بلده لأخرى مع أسرته الفقيرة، بسبب كسل والده وانصرافه إلى السكر والقمار.
وكونه ميسحيًا حرص «جبران» في كتاباته التوضيح أنه ليس ضد للإسلام الذي يحترمه ويتمنى عودة مجده، بل هو ضد تسييس الدين سواء الإسلامي أو المسيحي، لذا كتب مقالا وصفه بأنه رسالة "إلى المسلمين من شاعر مسيحي".
وكان جبران واسع الثقافة فقد قرأ لشكسبير وللشعراء الرومانسيينولا سيما بليك كيتس، شلي، نيتشه، ولعله حاكى في قصائده النثرية قصائد الشاعر الأمريكي والت ويتمان مبتكر هذا الفن، وتأثر بالفلسفة الأفلاطونية في رومنسيته وتصوفه، وخصّ المسيح بكتابه «يسوع ابن الإنسان» كما تأثر بالتصوف الشرقي الهندي منه المسيحي والإسلامي، فآمن بوحدة الوجود والتقمص، وبالحب وسيلة لبلوغ الحقيقة.
عانى جبران من صغرة الفقر، الذي تسبب في حرمانه من المدرسة، وعدم تمكنه من الذهاب إليها، وكان كاهن القرية، «الأب جرمانوس»، يأتي لمنزله ليعلمه الإنجيل والعربية والسريانية، لكن «جبران»، تعلم جبران مبادئ القراءة والكتابة من الطبيب الشاعر «سليم الضاهر» مما ساعده على الإطلاع والتعرف إلى التاريخ والعلوم والآداب.
ولم ينتهي أمر والد «جبران» عند الكسل والسكر، فوصل به الحال إلى سجن بتهمة اختلاس وصودرت أملاكة، الأمر الذي دفع والدته إلى اتخاذ قرار الهجرة مع أخيها إلى أمريكا وتحديدًا نيويورك مصطحبة معها كلًا من جبران وأختيه، ماريانا وسلطانة، وأخيه بطرس.
ولحسن حظه، سكنت عائلة جبران في بوسطن، بالخطأ وتم تسجيل اسمه في المدرسة، واتجهت أمه في العمل خياطة متجولة، وفتح أخوه بطرس متجرًا صغيرًا، أما «جبران» فبدأ بالذهاب للمدرسة، ووضع في فصل خاص للمهاجرين لتعلم الإنجليزية، وفي ذات الوقت التحق جبران أيضًا في مدرسة فنون قريبة من منزلهم، ونمّت مواهبه الفنية وشجعتها «فلورنس بيرس»، معلمة الرسم في المدرسة، وشجعه «فريد هولاند داي»، لما رأى محاولاته الإبداعية.
لم يبقَ جبران هناك طويلًا، فعاد مع عائلته إلى بيروت في عمر الخامسة عشر، ودرس في مدرسة إعدادية مارونية ومعهد تعليم عال يدعى الحكمة، وبدأ مجلة أدبية طلابية مع زميل دراسة، ثم انتخب شاعر الكلية.
كان لجبران في كتاباته اتجاهان، أحدهما يأخذ بالقوة ويثور على عقائد الدين، والآخر يتتبع الميول ويحب الاستمتاع بالحياة النقية، ويفصح عن الاتجاهين معًا قصيدته "المواكب" التي غنتها المطربة اللبنانية فيروز باسم "أعطني الناي وغنّي"، وتفاعل جبران مع قضايا عصره، وكان من أهمها التبعية العربية للدولة العثمانية والتي حاربها في كتبه ورسائله.