لافتات تتخلل ألواحا معدنية صفراء مدون عليها: "نأسف على الإزعاج"، جعلت الميدان يبدو وكأنه منطقة صناعية، تغير كل شيء، الشوارع، التقاطعات، إشارات المرور، حتى عدد من المباني اندثرت ملامحها، قد تشعر بالغضب نتيجة الزحام المروي الناجم عن ضيق الطريق، لكن سعادة المواطنين بالإنجاز الذي يحدث خلف الأسوار ينسيهم كل هذه المتاعب، هنا محطة مترو "هليوبوليس" أكبر محطة مترو أنفاق في الشرق الأوسط.
محطة هليوبوليس
كل شيء على سطح محطة "هليوبوليس" يتسم بالسكون، حركة تكاد تكون منعدمة إلا من بعض العاملين المترجلين، مساحة شاسعة تبصرها بعد عبورك بوابة الدخول، تصل إلى 10 آلاف متر مسطح، طول المحطة يبلغ 225 مترا، وعرضها 20 مترا، مكونة من 3 طوابق تفصل بينهما سلم حديدي تستطيع من خلالها الوصل إلى أسفل نقطة بها.
في باطن المحطة، كل شيء يختلف عن سطحها تماما، ضجيج يهز أرجاء المكان، حركة لا تنتهي على مدار 24 ساعة، طقس حار، معدات ثقيلة، حديد، أسطوانات أكسجين ضخمة، ماكينات حفارات، لُحمة من الجدية ترسم أوجه المهندسين، الصنايعية، والعمال، الذين يقضون معظم أوقاتهم على عمق أكثر من 27 مترا تحت سطح الأرض، حيث صعوبة التنفس وارتفاع درجة الحرارة.
25 مليون ساعة عمل متواصلة
في مترو "مصر الجديدة"، تروس عجلة العمل لا تهدأ، الحركة مستمرة 24 ساعة، العمال في رحلة مستمرة من العمل مقسمة على ورديتين طوال اليوم، كل وردية 12 ساعة يتخللها ساعة واحدة للراحة، ما يقرب من 400 مهندس ومشرف وعامل داخل محطة "هليوبوليس" فقط، يسابقون الزمن من أجل خروج المشروع إلى النور.
"بدأنا رحلة العمل في مايو 2015، ونحن الآن في مسار تحقيق الحلم، على أعتاب الانتهاء من المشروع"، بهذه الكلمات التي تحمل معاني الأمل، بدأ المهندس محمد معوض الخولي، مدير محطة هليوبوليس، حديثه لـ"صدى البلد"، مؤكدا أن المشروع في مراحله الأخيرة وسيتم تسليمه خلال أشهر قليلة من الآن.
قال "معوض": "نعمل 24 ساعة يوميا دون إجازات، أي ما يقرب من 25 مليون ساعة عمل متواصلة منذ بداية المشروع، وكلنا ننحت في الصخر من أجل إنجازه في أسرع وقت ممكن"، مشيرا إلى أن الوردية يعمل بها ما يقرب 150 عاملا، كلهم يد واحدة نجارون، وحدادون، وعمال مساعدون، يعملون على قدم وساق للانتهاء من جميع الأعمال في الوقت المحدد.
أكبر محطة مترو أنفاق في الشرق الأوسط
وأضاف مدير المشروع: "محطة هليوبوليس أكبر محطة أنفاق في الشرق الأوسط، بها 1250 متر حوائط على عمق من 40 لـ50 مترا، وسمكها 1.20 متر، وسمك البلاطة داخل المحطة يبلغ 1.5 متر، وخواص الأدوات التي نعمل بها تطلبت منا عمل شاق من الجميع، لأنها ذات مواصفات خاصة للغاية في التصميم والتنفيذ".
المهندسون داخل المحطة لا يعملون من فراغ، بل أعدوا دراسات كثيرة من أجل تفادي مشكلات التنفيذ، وتحقيق أكبر قدر من الاستفادة بالمشروع، هذا ما أكده "معوض" قائلا: "قبل البدء في المشروع تم عمل دراسات كاملة ووافية عن كل محطة بالمرحلة، من أجل تحديد اكبر نسبة سكانية ستستفيد منها، بالإضافة إلى الحد من المشكلات المتوقع مواجهتها، حيث حرص المسئولون عند تنفيذ المرحلة الرابعة على تطبيق المواصفات العالمية التي تضمن الأمن والسلامة للجميع".
وأضاف: "العاملون في مشروعات الأنفاق يتم اختيارهم بعناية فائقة، حيث تجرى لهم العديد من الاختبارات للتاكد من كفاءتهم وقدرتهم على العمل في أعماق كبيرة تحت الأرض، وضغط العمل، حيث يقع على عاتقنا تسليم المشروع بأعلى جودة ممكنة طبقا للمواصفات العالمية قبل أن يستخدمه المواطن المصري".
ماكينات عملاقة فرنسية
في المرحلة الرابعة بالخط الثالث لمترو الأنفاق، تستخدم الهيئة القومية لمترو الأنفاق ماكينات حفر فرنسية متطورة للغاية، حيث توجد ماكينتان "TPM" ، قطر الواحدة 10 أمتار، وطولها 175 مترا، وظيفتها القيام بعملية الحفر وسد التربة وحقنها وتركيب الحلقات الخرسانية لجسم النفق، حيث تتكون الحلقة الخرسانية الواحدة من 8 أجزاء معالجة، طلوها يبلغ 1.5 متر.
الماكينة تستطيع يوميا تركيب من 10 إلى 20 مترا طوليا، ونفذتا 4 أنفاق في المرحلة الرابعة للمترو، واستخدمت إحداهما في انهاء المرحلة 4A، والماكينة الأخرى يتم تجهيزها للعمل خلال الأيام القليلة المقبلة في المراحل النهائية للمشروع.
قطار المشروع يصل محطته الأخيرة
بدأ العمل فعليا في محطة "هليوبوليس" منذ عامين، لكنها لم تنته إلى الآن بسبب كبر مساحتها، ولكن عمليات التشطيب بدأت تطل بظلالها على المشروع، هذا ما أكده المهندس هاني ثروت، مهندس بالشركة الفرنسية المنفذة للخط الثالث بمترو الأنفاق، قائلا: "المحطة بدأت فعليا في تنفيذ الأعمال منذ عامين فقط، واستطعنا إنجاز 80% من الأعمال الميدانية بالمحطة، وبدأنا أعمال التشطيبات بها".
وأضاف "ثروت": "نسبق الجدول الزمني للبرنامج بمعدل شهرين تقريبا، وأهمية المشروع تدفعنا إلى إنجازه في أسرع وقت، فمثل هذه المشاريع القومية يشعر بها جميع المواطنين، الصغير، والكبير، والغني والفقير، وهنا في المرحلة الرابعة كل العاملين يد واحدة، ونأمل جميعا أن يخرج هذا المشروع القومي العملاق للنور قبل الموعد المحدد له، لتخفيف أعباء الزحام على المواطنين".
العمال يسطرون "ملحمة وطنية"
العمال داخل محطات المرحلة الرابعة لمترو الأنفاق، يسطرون ملحمة وطنية خلال أعمال التنفيذ، جدية في العمل، روح تعاون تمثل العنوان الحقيقي لهم في أعماق الأنفاق، سعادة وفخر تطغى على شعورهم بالمشاركة في أحد المشروعات القومية الكبرى.
عبد المجيد محمد، مشرف حدادين، قطار عمره يصل إلى الثلاثينيات، كان منصرفا في عمله بجدية وإتقان، يرتدي بذلة زرقاء، وخوذة تغطي رأسه، و"سيفتي" في قدمه يقيه خطورة وقوفه على أسياخ متشابكة من الحديد تغطي أسطح الموقع الذي يعمل فيه.
سعادة العمل تنسيه الإرهاق والتعب الناجمين عن صنعة الحدادة، يحضر يوميا من محافظة المنوفية، مستيقظا في الثالثة فجرا من أجل الحضور للعمل في السادسة صباحا "أفعل ذلك من أجل خدمة الوطن وصناعة مستقبل أفضل لأولادي"، بهذه العبارة بدأ "عبد المجيد" حديثه لـ"صدى البلد"، مضيفا: "أقطع أكثر من 3 ساعات يوميا في الطريق، ولكن لم أشعر بأي تعب، فالكل هنا سعيد بما يفعله".
وتابع "عبد المجيد": "هنا بيتي الثاني، كلنا داخل الهيئة أسرة واحدة، جميع المهندسين يتعاملون معنا كأشقاء، لا توجد تفرقة بيننا، الكل سواء داخل ميدان العمل وهذا هو سبب نجاح وإنجاز المشروع".
مصطفى العطيوي، مشرف حدادين بالشركة الفرنسية، كان منكبا على عمله ينجزه بكل حواسه، كل همه إتقانه، لا يشغله ما يحدث داخل موقع العمل، فلم يحضر إلينا إلا بعد الانتهاء من المهمة المكلف بها، يبدو في العقد الخامس من عمره، يرتدي خوذة على رأسه، سترة خضراء تغطي الجزء العلوي من جسده، سيفتي يحمي قدمه من الآلات الحادة المستخدمة، وقفاز يغطي يده، وعن سؤاله عن ذلك قال: "المسئولون حريصون على تطبيق جميع اشتراطات السلامة للعمال المشاركين في المشروع".
"العطيوي" يمكث في الأنفاق 26 يوما بعيدا زوجته وأولاده المتواجدين في محافظة الإسكندرية، سعادته بالمشاركة في مشروع مترو الأنفاق تعوضه عن الحرمان من رؤية أبنائه وزوجته طيلة هذه الفترة: "حبي للعمل والمشاركة في هذا المشروع القومي العملاق، ينسيني آلام البعد عن أسرتي"، كلمات عبر بها عن فرحته بمشاركته في مشروع مترو الأنفاق، مضيفا: "شعور جميل للغاية وشرف لأي عامل أن يشارك فيه".
المرحلة الثالثة للمترو
سيتم تنفيذ الخط الثالث بالكامل بإجمالى طول حوالى 48 كيلومترا ليصل بين مطار القاهرة الدولى شرقًا ومنطقتي إمبابة وبولاق الدكرور غربًا لينقل حينها ما يزيد على مليونى راكب في اليوم لتصل القدرة الاستيعابية للخــطوط الثلاثة إلى ما يزيد على 6 ملايين راكب يوميا، ما سيساهم بقدر كبير فى حل مشكلة المرور السطحى والنقل الجماعى لإقليم القاهرة الكبرى، إلى جانب توفير الوقود.
أما المرحلة الرابعة من الخط الثالث، فتمتد من محطة هارون أسفل شارع هارون الرشيد بعد تقاطعه مع شارع أبو بكر الصديق، وتستمر حتى ميدان هليوبوليس ثم يتجه أسفل شارع اللواء محمد عادل وصولًا إلى ميدان الألف مسكن ثم يسير أسفل شارع جسر السويس حتى محطة عمر بن الخطاب، حيث يستمر المسار أسفل شارع جسر السويس حتى محطة النزهة.
مشروع عملاق يحتاج إلى سنوات ليتم الانتهاء منه، ويأمل العديد من المواطنين سرعة إنجازه وخروجه إلى النور من أجل القضاء على مشكلة الزحام الذي يعانون منه يوميا.