دروب وأزقة رسمت ملامح شوارع المحروسة تخفي في طياتها أسرارًا وقصصًا عن تراث حضاري زاخر بعبق التاريخ الحديث، يجهله الكثيرون بمن فيهم قاطنو تلك المناطق، فلكل شارع ودرب حكاية تروي تفاصيلها جدران وبيوت أكسبها الزمن رونقا حضاريا يصعب تكراره.

على بعد عدة أمتار من مسجد السيدة زينب، يتفرع شارع ضيق مدون أعلى "درب شكمبة"، تعلو جانبيه بيوت عتيقة قد يتجاوز عمرها المائة عام وأكثر، فالأبواب الخشبية العملاقة المزينة بمشربياتحديدية أصدأهاالزمن، تدل على تراث خفي وبيوت كان يسكنها علية القوم آنذاك.

أمام دكان للعلافة بجوار درب شكمبة يجلس "سيد شحاتة"، وهو في عقده السابع من عمره، مستعيدًا ذكريات وقصة الدرب الذي نشأ فيه منذ طفولته، فهو من مواليد الدرب أب عن جد ويعرف تفاصيله وأسراره بحكم مهنته كسمسار.

بخطوات ثابتة تتسم بالفخر تخطى "شحاتة" عتبة الدرب ليحكي عن مكان منزل شكمبة باشا أحد الباشوات الأتراك المقربين من حاشية الملك فاروق، والذي سمي الشارع باسمه قائلا " الدرب ده كان حدوده لنص الشارع الرئيسي، وكان أوله بيت شكمبة باشا من البهوات الأتراك، بس مع الزمن بيته اتهد ومساحة الشارع قلت عن الأول بعد الهدم".

يعد درب شكمبة بداية لعدة شوارع لقبت بأسماء الباشوات الأتراك منهم أحمد آغا قاميش باشا وهو كان من أحد المسؤولين الحرملك للملك فاروق وكان يقطن بفيلا قريبة من شكمبة باشا، علاوة على امتلاكه قطاع عريض من تلك المنطقة التي كانت تزينها الجنائن والفيلا، قبل ان تتحول الى اسفلت وعقارات، وذلك وفقًا لروية شحاتة أقدم ساكني الدرب

يقف سيد عضو نقابة الأثريين المصريين أمام حجر أثري رسخ بالأرض يتوسط الشارع الضيق، يقال إن عمره قد يصل إلى 400 عام، ويصف طوله بأنه كان يصل إلى متر ونصف، وكان يستخدم للفصل بين درب شكمبة والمناطق الأخرى من خلال سياج حديد مطوق بالحجر، الذي أصبح طوله مقاربًا لسطح الشارع نتيجة عوامل التعرية والبناء المتزايد بتلك المنطقة.

في شارع أكثر اتساعًا متفرع من الدرب ومعبد بأحجار الرصف، موضوع أعلىجدرانه، لافتة مدون عليها شارع المنفلوطي، يوقف "سيد شحاتة" ليشير إلى مجموعة من الفلل العتيقة ذات تراث معماري فاخر كان يسكنها الباشوات الأتراك، قائلًا :" المنطقة ديه كان كلها فيلا وباشوات أتراك وكان فيها جنينة قاميش باشا التي كانت عبارة فدادين من الفاكهة والورود، قبل ما تتحول وتبقى منطقة سكنية، وللأسف أغلب الفيلات اتهدت وطلع مكانها بيوت، والبيوت الأثرية أغلبها اتسرق ومفضلش فيها غير حاجات بسيطة".

يتذكر السبعيني قصة أحمد أغا قاميش باشا بحسب رواية أجداده، بأنه كان يسكن وحده ولم ينجب من يرثون ممتلكاته، وحين توفي تم توزيع تلك الممتلكات على خادمه وكان عددهم سبعة، الذين قسموا التركية وأجروا الأراضي، للبناء عليه بنظم الحكر الذي يسري على سكان المنطقة حتى الوقت الحالي.

بنظرة شرود دامت لثوان، أخرج شحاتة من جيبه ورقة مدون عليها :"ايجار وقف أحمد أغا قاميش قيمته ثلاث جنيهات ونصف في العام الواحد"، ليفسر بعد ذلك بأن تلك الورقة هي إيصال لمنزله المستأجر من عقود، وأن هذا النظام ساري بأغلب البيوت السكنية بتلك المنطقة.

قادت أقدم عم شحاتة بحكم معرفته للدرب إلى منزل باهت الملامح معلق بجدرانه، لافتة ضخمة كتب عليها "تعلن جهة وقف المرحوم أحمد أغا قاميش أن الممثل القانوني الرسمي الوحيد للوقف المذكور هو السيد على محمد على مبروك فقط دون غيره بصفته واصيًا قضائيًا على أعيان الوقف الكائن بجنينة قاميش باشا"، تلك اللافتة بمثابة دستور ينظم عملية الإيجار بكافة المناطق المحيطة، والتي يبدأ ايجارها من 50 قرشا حتى عشرة جنيهات كحد اقصى للمستأجر، وفقًا لحديث شحاتة.
بنظرات تنم عن الأسى لما آلت إليه الأمور بالمنطقة، أعرب سيد شحاتة عن حزنه لعدم الاهتمام بالدرب من قبل قطاع الآثار، وذلك بعد تراكم القمامة بجوانبه وهدم المنازل التراثية وتحويل بعضها إلى زرائب للأغنام بالرغم من قيمتها الأثرية، فتحولت منطقة الباشوات إلى ساحة من عشوائيات تعمها الفوضى تهدر زهوها المعماري بحسب وصف شحاتة .