ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

أردوغان والمنطقة الآمنة

محمد أرسلان

محمد أرسلان

الأحد 04/أغسطس/2019 - 01:20 م
طغت خلال الأيام الأخيرة سجالات كثيرة ما بين أطراف الصراع على الجغرافيا السورية لإنشاء منطقة "آمنة"، في شمال شرقي سوريا، وإطلاق الرئيس التركي الوعيد تلو الآخر باجتياح واحتلال ما تبقى من الشمال السوري من شرقه، بعدما احتل غرب الفرات من جرابلس حتى عفرين وادلب بمباركة روسية وصمت سوري. 

كل ذلك تم بتوافقات وفق مخرجات 11 اجتماعًا في استانة وثلاثة اجتماعات سوتشية وفق سياسة "الأرض مقابل الأرض"، التي رعتها روسيا من أجل فرض سيطرة الجيش السوري على بعض المدن. فكانت جرابلس والباب والراعي مقابل حلب وكذلك عفرين مقابل الغوطة. كل ذلك كان على حساب الشعب السوري الذي تم تهجيره من مناطقه عنوة وتوطين آخرين مكانهم، وإعلان النصر المهين من قِبل طرفي النزاع إن كانت روسيا أو تركيا مع غياب تام لما يسمى الدولة السورية.

الآن وبعد كل ذلك بقيت إدلب الشوكة في حلق طرفي الصراع والتي لا يمكن حلها إلا بمهزلة أخرى يتم فيها بيع ما تبقى من (معارضة سورية)، في أسواق مصالح القوى الإقليمية والدولية التي لا يهمها الشعب السوري ولا ثورته، بقدر اهتمامها بمصادر الطاقة.

الحالة المستعصية التي يعيشها أردوغان في إدلب وكذلك الفشل في الانتخابات الأخيرة وخسارته لأهم المدن (اسطنبول – أنقرة – إزمير – أضنة – مرسين ...الخ)، وحالة الانهيار الاقتصادي والتضخم وأيضًا الانشقاقات الأخيرة في صفوف حزب العدالة والتنمية والأهم هو فشله سياسيًا في حل القضية الكردية في تركيا. كل هذه التصدعات والانتكاسات والفشل الداخلي أوصلت نظام أردوغان لحالة من السقوط المدوي على المدى القصير.

أردوغان ولكي يطيل من عمره بعض الشيء وعلى الأقل الوصول لعام 2023 المئوية الأولى لانهيار الخلافة العثمانية، كي يعيد بناء ما لم يستطع أجداده من السلاطين من الحفاظ عليها، وبعث العثمنة من جديد بلبوس أردوغاني اسلاموي حديث. يقوم بكل ما في وسعه بتهديد الشمال السوري واحتلاله وعمل زوبعة كبيرة لقلب التوازنات الإقليمية والدولية في هذه المنطقة.

يمكن أن نتفهم تصريحات وتهديدات أردوغان على محورين: الأول هو عملية تصدير الأزمة الداخلية للخارج وإلهاء الشعب بها عن طريق دغدغة مشاعرهم الشوفينية على أن الخطر الأكبر قادم من الخارج، وأن ما يحصل بالداخل يمكن حله عن طريق بعض الجرعات الشكلية. 

أما المحور الثاني: فهو تحقيق أوهامه في أن يصبح السلطان العثماني الجديد في القرن الحادي والعشرين بعد أن يعيد رسم حدود تركيا وفق "الميثاق المللي" أو القومي الذي يتيح لتركيا استرجاع بعض من أراضيها التي خسرتها إبان الحرب العالمية الأولى. الميثاق المللي الذي ينص على أن الشمال السوري (ولاية حلب وولاية الجزيرة) وكذلك الشمال العراقي (ولاية الموصل وولاية كركوك)، هي أرضي تركية ومن حق الدولة استرجاعها والسيطرة عليها.

الآن حينما يقوم أردوغان بتهديد الشمال السوري في إقامة منطقة "أمنية" حسب وصفه بعمق حتى أربعين كم، هدفه احتلال هذه المنطقة وطرد سكانها الأصليين منها وتوطين ما تم تهجيره من عوائل المرتزقة والإرهابيين على طول الحدود السورية – التركية، كما فعل بعفرين وأهلها أمام صمت العالم المريب.

حينما يقول أردوغان "إما أني سأدفنكم تحت التراب أو أن تعيشوا أذلاء"، هو يعني كل ما يقوله حرفيًا. لأن منطق الخلافة العثمانية وكذلك الجمهورية التركية قامت بالأساس على دفن الشعوب تحت الأرض وقتل كل من رفضهم أو أن يقبلوا الاستسلام ويصبحوا من القطيع الذي ينفذ فقط ما يطلبه السلطان منه، كما تفعل في راهننا المعارضة السورية.

ربما ينفذ أردوغان وعيده وتهديداته تلك وبالرغم من معارضة أمريكا له ولو حتى الوقت الحاضر. مع العلم أن الخلاف التركي – الأمريكي ليس على هذه المنطقة، بل على عمقها . هل هي 5 كم كما تريدها أمريكا أم 40 كم كما تريدها تركيا . المشكلة ليست هنا بقدر ما هي في العالم العربي الذي يشاهد هذه المباراة وكأن الأمر لا يعنيه البتة. مع أنه الكل يعلم أن الشمال السوري هو خط الدفاع الأول عن الشرق الأوسط وأفريقيا. 

وحتى لو ذهبنا بمنطق القرن العشرين وأفكاره القوموية، فأن سوريا هي الإقليم الشمالي للجمهورية المتحدة وكذلك الجيش الأول هو الموجود في سوريا، وأما الجيش الثاني والثالث والإقليم الجنوبي فهو موجود في مصر. ومن يبقى متفرجًا الآن من المؤكد سيندب حظه ويلطم باكيًا على مستقبله في قادم الأيام.

المشكلة ليست صراع بين الكرد والترك بقدر ما هو صراع تحول المنطقة نحو الديمقراطية في أن تعيش الشعوب ذاتها أم ستبقى المنطقة تعيش التبعية والعبودية والذل كما قال أردوغان. 

أردوغان الذي لا يقبل أحدًا في أن يقول له "لا"، بل يريد فقط الكردي والعربي الذليل أو المقتول. وهو ما يفعله بالضبط في ليبيا ودعم الإرهابيين في مصر.

فهل سنشهد توحد وتعاضد شعوب المنطقة مع الكرد لمحاربة تكبر أردوغان وغطرسته، أم أننا سنقبل واقعنا الذليل الذي يرسمه لنا أردوغان أو من على شاكلته ونبقى متفرجين.