كان العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر- عام ثلاثة وتسعين بعد الثلاثمائمة والألف من هجرة سيد المرسلين - يوما مجيدا ، ذلك اليوم الذي عبرت فيه قواتنا المسلحة المصرية أصعب مانع مائي في التاريخ ، واخترقت خط " بارليف " الذي زعم الأعداء أن اختراقه شبه مستحيل ولكن صدق الله إذ يقول : " ما ظننتم أن يخرجوا ، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب ، يخربون بيوتهم بأيدهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار " عبروا لتحرير أرض سيناء وتخليصها من براثن الأعداء ورد العدوان الاسرائيلي .
عبروا في سيد الشهور ، شهر الصبر ومضاعفة الأجر ، عبروا بالإيمان بأن الأرواح بيد خالقها يستردها عند أجل معلوم مرددين قول القائل :
أقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لكِ لم تطاعِ
فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع
عبروا طالبين النصر أو الشهادة ليفوزوا بالحسنى وزيادة ، عبروا والأغلبية العظمى منهم صائمين " وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " يفوح شذاه في جميع الأنحاء ، وصعد صوت تكبيرهم فبلغ أبواب السماء، فتخطوا القيود وتحدوا السدود، معتمدين على مدد الواحد المعبود.
فحقق الله لهم وعده بنصرهم فكان انتصارا رد للعرب كرامتهم، ورفع ذكرهم ، وأعز جندهم وهزم أعداءهم ، فأثبتت حرب رمضان أن القيادة المصرية كانت حكيمة في اتخاذ القرار في زمانه ومكانه لإزالة آثار عدوان سبعة وستين سنة، ليدرك حكام المعتدين أن ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة وأن الحرب بين الحق والباطل سجال، تارة ينتصر الحق وتعلو كلمته ، وتارة يتطاول الباطل فيطغى على الحق ، ولكن إلى حين ، فدولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.
كما أثبتت حرب رمضان قوة جبهتنا الداخلية وصلابتها وتماسكها تحت شعار : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " .
لذلك يجب علينا إزاء هذا النصر أن نقدم الشكر لله ليديم علينا نعمة النصر بنصرنا له ، فقد قال تعالى؛ “ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ”.
فلا بد إذن لحماية الحق من الجهاد بالنفس والمال في سبيل نُصرته، ولابد من استمرار الخير عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولابد لذلك من مجاهدين يحملون السلاح في مواقع القتال ، وعاملين يسهرون على مواقع الإنتاج ولا يقلون في فضلهم عن المجاهدين في مواقع النزال.
فقد روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : " عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله" .