قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. محمد بشاري يكتب: الأزهر في ذكراه.. تجدد الرسالة واستمرار المنهج

د. محمد بشاري
د. محمد بشاري

في ذكرى الأزهر الشريف، لا نقف أمام تاريخٍ مضى، بل أمام معنىً يتجدّد. ليست الذكرى احتفاءً بسنواتٍ تراكمت، بل تجديدُ عهدٍ برسالةٍ لم تنقطع منذ ارتفع الأذان الأول في رحابه. إن الأزهر حين يُستحضر في يومه، لا يُستحضر كمعمارٍ أبيض تتلألأ قبابه في سماء القاهرة، بل كقيمةٍ تتغلغل في وجدان الأمة، وكذاكرةٍ حيّةٍ تُمسك بخيوط الهوية وسط تحوّلاتٍ عاصفة.

 وُلد الأزهر في القرن الرابع الهجري، لكن ولادته لم تكن حادثةً معماريةً بقدر ما كانت لحظةً تأسيسٍ لفكرةٍ كبرى: أن العلم هو عمادُ العمران، وأن الدين لا يُفهم إلا بمنهجٍ يُزاوج بين النصّ والعقل، وبين الحفظ والفهم، وبين الأثر والاجتهاد. ومنذ تلك اللحظة، صار الأزهر ميزانًا تُوزن به الأقوال، ومحرابًا يُهذَّب فيه الضمير، ومدرسةً يتصالح فيها السؤال مع اليقين.

تعاقبت الدول، وتبدلت الرايات، واهتزّت العواصم، وبقي الأزهر ثابتًا على قاعدته الكبرى: سلطانُ العلم أبقى من سلطان السياسة. لم يكن يومًا صدىً لزمنٍ عابر، بل كان شاهدًا على الأزمنة كلّها. حين اشتدّ الخلاف بين المدارس، كان ساحةً للحوار لا للاقتتال. وحين عصفت رياح الغلوّ، كان ملاذًا للتوازن، لا يُخاصم أحدًا، ولا يُساير انحرافًا.

في أروقته، تشرّب الطلاب معنى السعة. لم يكن الاختلاف فيه معركةً لإقصاء الآخر، بل تدريبًا على الإنصاف. يعلّمهم أن المذاهب طرقٌ لفهم النص، لا جدرانًا للفصل بين القلوب. ولذلك عاد خرّيجوه إلى أوطانهم، يحملون معهم روحًا جامعةً، لا تصنع خصومةً بل تصنع وئامًا، ولا تُغذّي تعصّبًا بل تُنمّي بصيرة.

غير أن الذكرى ليست استدعاءً للماضي فحسب؛ إنّها سؤالٌ عن الحاضر، وعن كيفية استمرار الرسالة في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات وتتبدّل فيه أدوات المعرفة. وهنا تتجلّى عبقرية الأزهر في قدرته على “التغيير في إطار الاستمرارية”. فهو لا يُبدّل هويته ليواكب العصر، ولا يجمد على صورةٍ قديمةٍ خشية التحوّل، بل يجدد أدواته ويبقي أصوله.

ويبرز دور فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، الذي قاد الأزهر في مرحلةٍ دقيقةٍ من تاريخ الأمة. لم يكن حضوره قطيعةً مع تراث الأزهر، بل امتدادًا واعيًا له. فقد رسّخ فكرة أن الاعتدال ليس موقفًا ظرفيًّا، بل منهجٌ معرفيٌّ عميق. وأن الحوار ليس مجاملةً ثقافية، بل ضرورةٌ إنسانيةٌ لحماية السلم الأهلي وصون كرامة الإنسان.

في زمن الإمام أحمد الطيب، اتخذ الأزهر خطوةً واثقةً نحو العالمية، دون أن يفقد جذوره. فمدّ جسورًا للحوار بين الأديان، وشارك في مبادراتٍ تُعلي قيمة الأخوّة الإنسانية، مؤكدًا أن الرسالة الإسلامية لا تُختزل في جدلٍ فقهيٍّ داخلي، بل تمتد لتكون خطابًا عالميًا يكرّس العدل ويرفض العنف. لم يكن ذلك تحوّلًا عن مسار الأزهر، بل تعبيرًا حديثًا عن جوهره القديم: العلم الذي يُثمر سلامًا.

وحافظ الأزهر في عهده على صلابته العلمية، فاستمرّ في تخريج العلماء، وتطوير مناهجه، والانفتاح المدروس على العلوم الإنسانية والاجتماعية، دون تفريطٍ في أصوله. كان التغيير عنده تطويرًا في الوسائل، لا تبديلًا في المقاصد. فظلّت العقيدة محفوظة، واللغة مصونة، والفقه مؤصّلًا، لكن أدوات العرض والحوار اتسعت لتخاطب عالمًا أكثر تعقيدًا.

والأزهر، في ذكرى تأسيسه، يبدو كأنه يُعيد التأكيد على معادلته الكبرى: الثبات في الأصول، والحركة في الفروع. هذه المعادلة هي سرّ بقائه. فكم من مؤسساتٍ عظيمةٍ اندثرت لأنها جمدت، وكم من تياراتٍ ذابت لأنها تخلّت عن أصولها. أما الأزهر فبقي لأنه عرف كيف يُجدّد دون أن يُفرّط، وكيف يستوعب دون أن يذوب.

إن الاحتفاء بالأزهر في يومه ليس احتفاءً بماضٍ منجزٍ فحسب، بل هو تجديدُ ثقةٍ في قدرته على الاستمرار. فالعالم اليوم أحوج ما يكون إلى مرجعيةٍ تُعيد ضبط المفاهيم، وتفصل بين التدين الأصيل والتوظيف العاطفي، وبين الغيرة على الدين والاعتداء باسمه. والأزهر، بما راكمه من علمٍ وتجربة، مؤهّلٌ لأن يبقى صوتًا عاقلًا في زمن الضجيج.

وفي نهاية المطاف، يبقى الأزهر ذاكرةَ أمةٍ لا تنطفئ، وروحَ حضارةٍ لا تبهت. فإذا كان الماضي قد صنع مجده، فإن الحاضر يصوغ مسؤوليته، والمستقبل ينتظر إسهامه. وبين قرونٍ مضت وقرونٍ ستأتي، يظلّ الأزهر وعدًا بأن العلم إذا صدق، بقي؛ وأن المرجعية إذا رسخت، أثمرت؛ وأن الأمة إذا حفظت ذاكرتها، حفظت نفسها.