الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

نبيل الحبشي وفرج فودة .. التكفيريون من منظور علم النفس

أخطر ما يمكن أن ينشر الكراهية والبغضاء في النوع البشري هو وهم فئة منه من امتلاك الحقيقة المطلقة، هذا الذي يعني أن من دون هذه الفئة جميعهم على باطل ويعيشون في ضلال مبين، ذلك الذي يدفع تلك الفئة إلى العمل بكافة الوسائل مهما كانت تلك الوسائل بشعة من إرغام الآخرين من البشر على اعتناق تلك الحقيقة التي يظنونها مطلقة.

وهم في سعيهم هذا لا يتورعون من ارتكاب كافة الفظائع التي لا يُؤْمَن فيها جانب، في سبيل تحقيق هدفهم الذي يرفعونه رفعة التقديس هذا التقديس الذي تبذل في سبيله الدماء وتُزْهَق من أجله الأرواح وتُشَرَّد لتحقيقه الجماعات وتُهْدم الأوطان.

هذا هو نهج الإرهابيين وسبيل التكفيريين وطريق الدواعش هؤلاء الذين، بزعم فهمٍ للدين، انتزعت الرحمة، التي هي صفة لله الخالق العظيم الرحيم، من قلوبهم، والذين قد ذبحوا في بئر العبد الشهيد المصري القبطي نبيل الحبشي، لا لذنب ارتكبه، إلا لأنه قد خلقه الله سبحانه وتعالى في أسرة تعتنق الديانة المسيحية، فأصبح مسيحيا، كما خلقهم الله في أسرة مسلمة، فأصبحوا مسلمين، فقبلوا إسلامهم ولكنهم لم يرضوا لغيرهم أن يقبل عقيدته ويؤمن بها ويعيش عليها مسالما محبا للناس عاشقا لتراب وطنه. فكان جزاؤه الذبح على أيديهم القذرة، هذا الذي ردت عليه أبطال الداخلية المصرية بتصفية ثلاثة من العناصر الإرهابية الحقيقة.
إن الإرهابيين يرون من هم غيرهم جميعا كفار، مهما كانت عقيدتهم ومهما كانت أخلاقهم، ومهما كان سلوكهم، ويعتقد التكفيريون أنهم فقط من يملكون الحقيقة المطلقة، لأن آلة تفكيرهم تصنع في نفس هؤلاء اليقينيات، هذه اليقينيات  التي هي، حسب دراسات في علم النفس نتيجة لما يعانون من القلق، نتيجة للتطور المتسارع لعالمهم والخوف من الاختلافات وتعدد الآراء والمذاهب والعقائد والحقائق العلمية والتاريخية والأنثروبولوجية التي تزعزع أمنهم الروحي، فهم يسعون إلى حل القلق السيكولوجي بمحاولة القضاء الرمزي والمادي على أي اختلاف، ويتسمرون بشكل مرضي في فكرة الحقيقة الواحدة الوحيدة التي لا تقبل الشك ولا التشكيك، وكلما زاد قلقهم زاد عنفهم في مواجهة كل أشكال التنوع وتأدلج لديهم دفاع التكفير.

فالتكفيري، من منظور علم النفس، مصاب بالجمود الذهني، ويعرف علم النفس هذا العطب في المسار الذهني بأنه عجز المرء عن تغيير  وجهة نظره ووضع نفسه مكان الآخر لفهم أو تفهم وجهة نظره.

إن المصاب بالجمود الذهني تنقصه المرونة الذهنية، كما أن له رأي ومبادئ ثابتة، لا يضعها تحت مجهر البحث والتدقيق، وذلك خوفا منه أن تتضح له حقائق أخرى ورؤى مغايرة قابلة للتفهم، وهو أيضا منغلق على حجج الآخر، لأن مركزيّته الذاتية تجعله عاجزا عن وضع نفسه مكان الآخر، أي المختلف عنه، والمصاب بالجمود الذهني يرتكز على ثوابت ومسلمات لا تقبل النقاش، لأنها محاطة بدلالات وجدانية، وبشحنات لا شعورية تجعل من كل نقاش فيها نقاشا في معنى الحياة، وبالتالي يصبح الجدل والاختلاف بالنسبة للتكفيري مجازفة بسعادته وبثقته المفعمة بنفسه، وبالتالي، ومن أجل إراحة نفسه، ليس ذلك فحسب، بل تبريرا لما يمكن أن يصدر عنه من فعل القتل والإرهاب فإنه يصنف الآخر المختلف عنه ككائن مؤذٍ وتهديدي، يهدد الكيان العضوي الذي صنعه التكفيري مع جماعته، هذا الذي يجعل التكفيري تائها هوامات في حالة من القلق والشعور المفرط بالاضطهاد وهو هنا يغلق عينيه وأذنيه فلا يرى غير ما ترى جماعته ولا يمكن أن يستمع إلى هذا المختلف والغريب مهما كان خطابه عقليا، ومهما كانت أدلته علمية  ومهما كانت آراؤه موضوعية، لأنه يرى هذا المختلف معه في غاية الخبث وينظر في كلامه سم ناقع.

إن المصاب بالجمود الذهني والتكفيري يسعى لإقامة جماعة منفصلة عن واقع المجتمع الذي يعيش فيه، وهو في سعيه هذا يكوّن مجموعة متشابهة في رؤيتهم للعالم  يحاول الفرد فيها، عوضا عن رؤية ذاته في مرآة عصره، أن يرى صورته عند هؤلاء  الآخرين من جماعته، لأنهم ببساطة يمثلون امتدادا، هذا الامتداد الذي هو عند الإنسان الطبيعي أفراد المجتمع الذي يعيش فيه، والذي يكاد يكون أيدلوجيا الأم الحامية ويلعب هؤلاء الآخرون دور الحضن الطيب، الذي  يحاول الفرد التكفيري من خلاله إعادة بناء "نحن" جماعية  يستعيد بها، وهميا، محاولة الانصهار من جديد في جسد الأم، وهو ما تجسده بامتياز مقولة التكفيريين الولاء والبراء، التي تعزز لديهم الشعور اللذيذ بالانتماء والإحساس بنشوة القوة وبالطبع داخل هذه المجموعة المتشابهة للتكفيرين فيما بعضهم البعض الباحثة عن الأمن  والأمان المتسمرة في الحنين إلى حضن الأم الطيبة يسود التماثل ويطغى النقاء، فهي مجموعة تجسد النظام الطبيعي للأشياء وكل من ينحرف عنها: الدخيل والغريب والمختلف هو كافر، فالمجموعة تشعر أنها مهددة نرجسيا عندما يخاطر أي شخص آخر بمناقشة قناعاتها أو بإبراز نقاط ضعفها، التي تفضل إخفائها، هذا الذي يتضح أكثر ما يكون الوضوح في حالة المفكر المصري فرج فودة الذي راح شهيدا للفكر الذي واجه به أصحاب العقول المغلقة على تصورات ماضوية لا تقبل النقد كما لا تقبل إظهار الجانب الآخر المخفي في هذا الإرث الذي يتكئ عليه هؤلاء الإرهابيون، الذين يتعاملون مع التراث بطريقة انتقائية مؤدلجة، لا لشيء سوى لكي يبرروا لأنفسهم ما يقترفون من جرائم، في سبيل تحقيقهم لأهدافهم التي هي بعيدة كل البعد عن الدين، والتي لا تعترف بالفوارق بالمراحل الزمنية المختلفة ولا بالتباين بين عصرنا الراهن وعصور خلت، لا سبيل إلى إعادتها مهما بذل في سبيل ذلك من جهد ومهما أزهقت من أرواح، وربما هذا هو الذي يدفعنا للسؤال: لماذا لا تخرج علينا المؤسسات الدينية الرسمية لتعلن أن هناك نصوصا يعتمدها الإرهابيون في حصد وزهق الأرواح لم تعد قابلة للتطبيق في عصرنا الراهن؟ والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة لا يتسع الحديث هنا لتعدادها، وفي محاولة منا للوقوف على الأسباب التي تمنع هذه المؤسسات من الخروج للإعلان صراحة عن ذلك فإننا نذهب إلى أنهم يعتقدون بأنه يمكن أن تأتي عصور لاحقة تتحقق فيها مثل تلك الفتاوى التي يتخذها الإرهابيون ذريعة لقتل مثل الشهيد القبطي نبيل الحبشي أو اغتيال المفكر فرج فودة، ودليلنا على ذلك شهادة محمد الغزالي في قضية فرج فودة، فالرجل لم ينف حكم القتل، ولكنه توقف عند من له حق تنفيذ هذا الحكم.

أثار العديد من الدارسين إشكالية المجتمعات بدون أب في عصرنا ومنذ القدم كانت المنزلة البشرية هي وعد ووعيد، فهي الحرية وهي أيضا المسؤولية، وأغلبية البشر لا تتحمل أوزار المنزلة البشرية ولا تطلع بأعبائها، فهي تبحث عن حيل نفسية واجتماعية تمكنها من التملص من هذه المسؤولية،  وفي هذا الصدد يقول بيير داكو Pierre Daco ‏(1936- أكتوبر 1992) طبيب ومحلل نفسي بلجيكي في كتابه "انتصارات التحليل النفسي": إن الراشدين يواجهون اختيارا في كل ثانية من حياتهم: الاختيار بين السهولة والصعوبة فالأخيرة تعني أن يقوم الإنسان بدوره "دور الراشد" ويمضي إلى الأمام ويهجر رحم الأم والسهولة تعني العودة الوراء والبحث عن الحماية والعودة في نهاية المطاف إلى رحم الأم وللتخلص من هذا القلق الوجودي يسعى التكفيري إلى الالتحام مع المجموعة مع الملة، فمن خلالها يشعر بالقوة وفيها يشعر بالذوبان والولاء لها والبراء ممن يختلف عنها، وتمثل الملة والفرق الناجية حيلة لا شعورية يحاول من خلالها الفرد إعادة بناء "نحن" جماعية متلاحمة كالبنيان المرصوص يستعيد بها وهميا محاولة الانصهار من جديد في جسد الأم لتفادي الشعور بالنقص ولكي يستريح من كل شبهات الضعف والقصور البشري.