الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

صمت المدافع في ليبيا.. حديث عن التغيير والأوهام «1-2»

لا يمكن تجاهل مدى التغيير، الذي تشهده الساحة الليبية خلال الشهرين الماضيين منذ فبراير، والاستقرار على اختيار حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في ليبيا، برئاسة، عبد الحميد الدبيبة، واختيار المجلس الرئاسي الليبي برئاسة محمد المنفي، عبر ملتقى الحوار السياسي في جنيف.
فلأول مرة منذ 10سنوات، بعد نكبة فبراير 2011 وضياع الدولة الليبية، في أعقاب مؤامرة صارخة لا تزال تُحكى تفاصيلها إلى اليوم، يتم اختيار حكومة موحدة تجمع بين الشرق والغرب. كما يكون هناك إقبال عربي ودولي عليها خلال الأسابيع الماضية، تشجيعا لتغيير طال انتظاره في ليبيا. وبالخصوص، أن من تصدروا المشهد اليوم كانوا بعيدين عن ألعاب الدمار والفوضى في ليبيا طيلة السنوات الماضية.
وبالتوقف، أمام مجريات المشهد الليبي الذي يتغير، فيمكن إجمال مجموعة من الأحلام والأوهام والألغام التي تعترض طريق حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، خصوصا وأن عمر الحكومة هذه، محدد مسبقًا بتفاهمات دولية في جنيف، وبتوافق المجتمع الدولي حتى ديسمبر 2021 موعد الانتخابات الليبية المقبلة.
وأما الأوهام، فإنه لا ينبغي أن تسوقنا التغييرات الليبية المتسارعة على الساحة،إلى التغاضي عن حقيقة أنه على مستوى الشارع الليبي، لا يزال هناك احساس عام بعدم التحسن الحقيقي بعد، وحتى اللحظة، لا تزال هناك شكاوى كبرى من نقص السيولة في المصارف الليبية وتهريب الوقود وإحساس عام بتردي الوضع الاقتصادي والمعاناة ومعايشة ذلك، وانفلات أمني... وهو ما ينبغي العمل على تغييره لتحويل الأحلام الى حقائق.
في الأوهام ايضا، لا ينبغي أن نحمل حكومة الدبيبة ومجلسها الرئاسي فوق ما تستطيع، وبالخصوص في مسالة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، فحتى اليوم لم يتم اختيار وزير الدفاع الليبي، ولا أعتقد إنه سيتم اختياره طوال شهور الحكومة الحالية، لأن مسالة الصراع العسكري ووجود أطراف دولية كانت ولا تزال تساند الشرق وتقف وراءه بكل قوتها، ووجود أطراف دولية أخرى معارضة، كانت تساند ميلييشيات الغرب وتقف وراءها بكل قوتها، هو واقع لم يتغير بعد ولا يزال موجود.
لكن مع هذا لا يمكن إغفال تصريحات رئيس الحكومة، عبد الحميد الدبيبة قبل ساعات، أنه لا يجب لأحد أن يتصور أنه يمكن أن يفرض رأيه مجددا بالقوة على الساحة الليبية، وهى رسالة للداخل الليبي تعني أمراء الحرب في الشرق والغرب.
والمقبول محليا ودوليا، هو استمرار صمت المدافع لفترة طويلة في ليبيا، وانجاح عمل الحكومة الحالية بشتى الطرق، وهناك زخم دولي، كما أن إدارة ترامب التي كانت ذات موقف مهترىء ضبابي في ليبيا تغيرت، وجاءت إدارة بايدن والإدارتين مختلفتين تماما في التعامل مع ليبيا وفي غيرها من القضايا.
بالإضافة إلى أن قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2570 لسنة 2022، نص على التصدي بعقوبات لأي من يحاولون عرقلة الانتخابات الليبية. فمجلس الأمن وكما كان قراريه المشؤومين 1970 و1973 هما سبب نكبة ليبيا وذريعة التدخل العسكري فيها عام 2011 ، لإزاحة قيادتها التاريخية، الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، فإنه وعبر قراره الأخير، يؤكد إنه سيكون حاضرا بعقوبات ازاء من يعرقلون الانتخابات الليبية المقبلة، وربما يكون حاضرا بغارات جوية دولية على من يسعون لذلك ويتصدى لهم.
والحاصل، ان ملايين الليبيين وعبر صفحات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام والقنوات الفضائية الليبيية يضجون ويصرخون من استمرار الفوضى. لقد تعبوا بالفعل من الصراع الذي لم يأتي بأي فائدة على الشعب الليبي، فلا هم دخلو جنة الديمقراطية المزيفة التي وعدوهم بها، ولا هم تركوا لهم وطنهم المستقر الثابت الآمن الغني، كما كان من قبل.
وليس تجاوزًا القول، أن ليبيا تحولت إلى أفغانستان 2 طوال السنوات الماضية، بعدما قسمها أمراء الحرب إلى شرق وغرب وجنوب، وكان ذلك مدعاة لنهب مواردها وقتل أبنائها وتشريدهم، ولم يكن يعقل قبل سنوات أن نجد ليبيا يحتاج المساعدة، بل العكس كانت ليبيا تفيض خيرات وتستوعب عمالة عربية وأجنبية بملايين الأشخاص، لكن هذا ما حدث بعد فبراير 2011، ونكبة ما سمى بالربيع العربي، فوفق الأمم المتحدة، هناك مليون ليبي بحاجة إلى مساعدات إنسانية 2021!!  وهذا معناه تردي تام في الوضع الاقتصادي الليبي وانهيار للبلد.
وهذا يفسر ايضا مدى التجاوب الليبي والإقليمي والدولي مع مجىء الحكومة الجديدة، فمع علم الجميع إنها لن تكون حكومة السحر، ولكنها إذا تسارعت خطواتها وتم إحكامها فستوؤل البلاد لانتخابات رئاسية وبرلمانية ديسمبر المقبل. وهى الانتخابات التي ستشرف عليها حتمًا الأمم المتحدة وستكون تحت إشراف دولي، وساعتها ستأتي بما يختاره الليبيون لتكون حدًا فاصلا بين الفوضى والاستقرار والصراع بالسلاح والمؤامرة للقفز على السلطة.
التغيير، الذي يدب على الساحة الليبية لا يمكن إنكار مروره بألغام عدة، في مقدمتها المرتزقة الموجودين بالآلاف، والذين يصل عددهم إلى نحو 20 ألف مرتزق.
والحقيقة إنها مشكلة كبرى على كامل الأراضي الليبية وضرورة خروجهم، تحتم استقرار عسكري على الأرض من جانب الأطراف الموجودة التي تحارب بالوكالة لصاالح قوى خارجية.
صحيح ان اتفاق لجنة 5+5 لوقف إطلاق النار، نص على ضرورة إخراجهم، لكن هناك تشكك من الجانبين في ماذا بعد؟
ماذا لو خرج المرتزقة من الغرب؟ هل هذه الحكومة السياسية، ستكون قادرة على حمايتهم "أي الميليشيات" في حال أي غدر أو تحرك من الجانب الآخر؟!
المثير أن مقالا نشر قبل ساعات، على نطاق واسع لكل من مبعوثا الأمم المتحدة السابقين إلى ليبيا، غسان سلامة وستيفاني وليامز توقف أمام هذه المعضلة، وحكى تفاصيل مخجلة عما كان قبل مؤتمر برلين، وكيف كان سيتم افشاله استنادا إلى قوة عسكرية غاشمة على الأرض كانت تستهين بالحلول السياسية!! 
في السياق ذاته، وإذا كانت ليبيا تشهد تغييرا سياسيا حقيقيا عبر حكومة الدبيبة ورئاسة المنفي، فملايين الليبيين يعلمون تمامًا أن هذا الوضع لن يستقيم وهو ما تيقنت منه الأمم المتحدة أيضا، قبل اتمام عملية مصالحة وطنية فاعلة، تنطلق من تفعيل القانون واعتبار الليبيين كلهم إخوة ومحاسبة مرتكبو جرائم الحرب والانتهاكات، وإنهاء التمييز السياسي على الأرض. فأنصار النظام الجماهيري السابق قوة لا يستهان بها على الأرض، وفق ستيفاني وليامز، واستمرار الإقصاء من جانب قوة حاكمة سيؤدي دومًا إلى استمرار القلاقل والاضطرابات.
ليبيا شعب واحد، وبمصالحة وطنية حقيقية لها بنود محددة تنفذ وتفعل على كافة البلديات والمدن الليبية، تعود ليبيا المدمرة إلى الحياة مرة ثانية.
لكن اذا كان البعض وهذا موجود للأسف، يريد أن يعرقل الانتخابات، لمعرفته أن هناك تيارا وطنيا له شعبية حقيقية بين قبائل ليبيا، سيتمكن عبر الانتخابات المقبلة من العودة للسلطة، أو الفوز بحصة كبيرة فيها، فهذا سخف وقصر نظر، ولن يرضى الليبيون ولن يرضى المجتمع الدولي بمكان جديد لمثل هؤلاء الفاسدين.
ليبيا للجميع، لكن استمرار فرز شعبها وتصنيفه وتقسيمه يحطمها ويدفع بها الى المجهول، وربما إذا فشلت هذه الخطوات السياسية لا قدر الله بفعل فاعل وأطراف لا تزال توقد النيران، فقد تندفع الأمور إلى حرب أهلية جديدة أكثر مرارة من الأولى، وفي النهاية الليبيون هم الذين يخسرون.