الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

د. أحمد محمد عرفة يكتب: هل أنت مسلمة؟

صدى البلد


تناولت وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة، خبر تعرض فتاة جامعية للتنمر بسبب قصر فستانها، ولم يكن المتنمرون عددا من الطلاب المشاغبين، وإنما كانوا من موظفي الجامعة، من الذكور والإناث، وكان السؤال عن دينها مدخلا أو مفتتحا لهذا التنمر، إذ سألها الموظف: هل أنت مسلمة؟ وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الواقعة تحديدا، لكونها غير مستبعدة، بسبب إغراق البلاد العربية بدعايات ومواعظ تزين ارتداء النساء للنقاب أو الخمار، إلى حد أنها تعلن أنه فريضة كالصلاة. 
ونريد في هذا المقال أن نبين صلة الإسلام بالزي بصورة عامة وأزياء الإناث بصورة خاصة.
إن الإسلام دين من الأديان، والمعهود في الأديان أنها تتكون من ثلاث دوائر، الأولى هي العقيدة، وهي في الإسلام الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والثانية هي الشعائر التي تعد شعارا أو علامة على التبعية لهذا الدين أو ذاك، وهي في الإسلام الصلاة والصيام والحج، والثالثة هي التوجيهات العامة مثل الصدق والعدل والرحمة، أو التوجيهات الظرفية مثل منح الرسول خُمس الغنائم. فالدائرة الأولى نظرية تتعلق بالغيب، والثانية عملية لإظهار التبعية للدين، والثالثة توجيهات عامة أو ظرفية. وبناء عليه فإن الدين (قطاع) من قطاعات الحياة، وليس كل قطاعات الحياة.
ولكن رجال الدين في الإسلام- مثل رجال الدين في كل دين- لا يكفون عن مد حدود الدين، لتشمل قطاعات عديدة من الحياة، حتى ردد العديد منهم: (الإسلام دين ودولة) (الإسلام دين ودنيا) (الإسلام منهج حياة)، بينما القرآن يقول (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْه) آل عمران: 85، والإسلام وفقا لهذه العبارة دينٌ فقط، وليس دينا ودنيا، ولا دينا ودولة، ولا دينا ومنهج حياة، ولا دينا ونظاما اقتصاديا، ولا دينا ونظاما اجتماعيا، ولا دينا وأي شيء آخر. وفي تأكيد الفصل بين الدين وما ليس دينا يقول الرسول (أنتم أعلم بأمر دنياكم) صحيح مسلم برقم 141/ 2363.
وقد ورد في القرآن حديث عن زي المرأة في الآية 31 من سورة النور، في قوله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)، وفي الآية 59 من سورة الأحزاب، في قوله (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ)، فما معنى الخمار؟ وما معنى الجيب؟ وما الدور الذي تؤديه الباء في قوله (يضربن بخُمُرِهِنَّ على جُيوبهن)؟ وما معنى أن تضرب المرأة بالخمار على جيبها؟ ولماذا أُمرت بهذا؟ وما معنى الجلباب؟ وما معنى إدنائها جلبابها عليها؟ ولماذا أُمرت بهذا؟ 
قال ابن فارس: "الخاء والميم والراء أصلٌ واحد يدل على التغطية، والمخالطة في سَتر"( )، وقال الأنباري: "الخمارُ سُمِّي بذلك لتغطيته الشعر. ومن ذلك قولهم لما يستتر به الإنسان في طريقه من الشجر وغيره: خَمَر"( )، وقال ناصر بن عبد السيد: "(الخُمْرَةُ) المِسْجدة وهي حصيرٌ صغير قدْرَ ما يُسجَد عليه، سُميت بذلك لأنها تستر الأرض عن وجه المصلي. وتركيبها [من الخاء والميم والراء] دالٌّ على معنى الستر. ومنه الخمار، وهو ما تُغطِي به المرأة رأسها، وقد اختمرتْ وتخمَّرتْ إذا لبستْ الخمار، والتخمير التغطية"( ).
والخمار اسم للغطاء السابغ الذي تغطي به المرأة رأسها، وقد يُطلَق على ما يغطي به الرجل رأسه، ومن ذلك ما ورد عن "أم سلمة: أنه [عليه السلام] كان يمسح على الخُفّ والخمار، أرادت بالخمار العمامة لأن الرجل يغطي بها رأسه، كما أن المرأة تغطيه بخمارها"( ). ويقال للرجل الذي ليس على رأسه عمامة (رَجلٌ حاسِر)، وللمرأة التي ليس على رأسها خمار (امرأة حاسر) بغير تاء( ). 
وأما الجيب فهو الفراغ في داخل البدنٍ أو الحَجَر أو الثوب، أو غير ذلك، فيقال للصدر جيبٌ، ويقال للفتحة الواسعة في الثوب التي يُدخَل فيها الرأس عند لبسه جيب، ويقال لمن جوّف الصخرَ: جابَه، وفي الذكر الحكيم (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) الفجر: 9. قال الخليل: "كلُّ مُجوَّفٍ وسطُه فهو مَجُوبٌ"( ). وقال الجوهري: "رجل ناصحُ الجيب، أي نقىّ القلب"( ). 
وجاء في المعجم الوسيط: "جيبُ الْقَمِيص وَنَحْوه: مَا يَدْخل مِنْهُ الرَّأْسُ عِنْد لِبسه، والجمع جُيُوب"( ). وقال القاسمي: "وأما إطلاقُه على ما يكون في الجنب لوضع الدراهم ونحوها، فليس من كلام العرب"( ). وقوله عن جيب النقود إنه ليس من كلام العرب، يقصد أنه لم ينقل عن العرب في القرون الأولى، ولكنه رغم ذلك تسمية عربية صحيحة، لأنه شَقٌّ مجوَّف.
والباء في قوله (بخُمُرهن) هي الباء التي توصف بأنها زائدة أو صلة، وسبب وصفها بالزيادة أن الاسم بعدها لم يعمل فيه حرف الجر إلا عملا شكليا، وأن غيابها لا يعرِّض المعنى للتغير، وأما وصفها بالصلة فلأنها وصلة لما بعدها، أي لا عمل لها في نفسها، وإنما هي صوتٌ يُتوصل به إلى تكملة الكلام الآتي بعدها بصورة جيدة، وكأنها شيء يحسِّن جرْس الكلام. 
وكل ما ينتج عن غياب حرف الجر الزائد هو وقوع خلل في جَرْس العبارة، ففي قوله تعالى (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) النساء: 79، وفي قوله (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) البقرة: 195، نجد أن كلمة (الله) في الآية الأولى هي الفاعل وأن الجملة تحتاج إلى ما يتمم المعنى من تمييز أو مفعول به، و(شهيدا) هي التمييز، ولو قال (كفى اللهُ شهيدا) لاختلف جرْسُ العبارة دون أن يختلف المعنى، وجرْسُ العبارة مع الباء أجود، ونجد كلمة (الأيدي) في الآية الثانية مفعولا به وهي مجاز عن النفس، ولو قال (ولا تلقوا أيديَكم إلى التهلكة) لاختلف جرس العبارة دون معناها، وجرس العبارة مع الباء أجود، وكذلك في الآية موضع الدرس، قال (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)، فأتى بالباء الزائدة لتحسين جَرْس العبارة، ولو قال (وليضربن خُمُرَهُنَّ على جُيُوبهن) لاختلف جرسُ العبارة دون معناها، وجرسُها مع الباء أجود. فوجود الباء في كل هذه الأمثلة خيرٌ من غيابها، فجرْسُ العبارة في وجودها أفضل منه في حال غيابها. 
ومعنى قوله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) وليبسطن الخمار، بدلا من طيّه ولفّه، ويمددنه حتى يغطي جيوبهن، ولا ينحسر عنها. وتعدَى ضربُ الخُمُر إلى الجيوب بـ(على)، لتعديل المعنى من الإبعاد (وهو المعنى الأساسي للضرب) إلى المدّ والبسط والتغطية والإحاطة، وكأنه يقول وليبسطن خُمُرهن على جيوبهن ويغطينها به، على نحو يدوم معه هذا البسط والتغطية. 
قال السمعاني في تفسير قوله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ): "كَانَ النِّسَاء فِي ذَلِك الْوَقْت، [وقت نزول الآية]، يسدلن خُمُرَهُن من ورائهن فتبدو صدورُهن ونحورُهن، فَأمر الله تَعَالَى أَن يضربن بالمقانع على جُيُوبهنَّ؛ لِئَلَّا تظهر صدورُهن وَلَا نحورُهن"( )، وقال الزمخشري: "كانت جيوبُهن واسعة تبدو منها نحورُهن وصدورهن وما حواليها، وكنّ يسدلن الخُمُر من ورائهنّ، فتبقى [جيوبُهن] مكشوفة، فأُمِرْن بأن يسدلنها من قدامهنّ حتى يغطينها"( )، وقال ابن جُزَي: "إنَّ النساء كُنّ في ذلك الزمان يَلبسنَ ثيابا واسعاتِ الجيوب، يظهر منها صدورُهن، وكن إذا غطين رءوسَهن بالأخمرة، سدلنها من وراء الظهر، فيبقى الصدرُ والعنق والأذنان لا سِترَ عليها"( )، وقال الثعالبي: "سببُ الآية أَنَّ النساء كُنَّ في ذلك الزمان إذا غَطَّيْنَ رءوسَهنَّ بالأخمرة سَدَلْنَهَا من وراء الظهر، فيبقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنَانِ لا سِتْرَ عليها( )، فأمرَ اللهُ تعالى بِلَيِّ الخِمار على الجيوب"( ).  
أما الجلباب الوارد ذكره في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) الأحزاب: 59، فهو مِن الفعل (جَلَب)، وأصلُ هذه المادة جَمْعُ شيءٍ إلى شيء؛ منه جلبتُ الشيءَ جلبا: أتيتُ به مجموعا إلى مثله، وفي المثل (رُبَّ أُمنيّةٍ جَلبتْ مَنيَّة)، والجلَبُ ما جُلب من غنم وبقر، ومتاع للتجارة، وما نُهب في الإغارة، والجَلَبةُ الجلدةُ الناشئة فوق الجُرح وقت بُرئه، والجلدةُ الرقيقة توضع في شيء لإحكام إغلاقه، وأجلب القومُ اجتمعوا وتألَّبوا، وأجْلَبَ عليه جمع عليه الأعداء، و"الجلباب بكسر الجيم وسكون اللام- جمعه جلابيب- ثوبٌ واسع تلبسه المرأة فوق ثيابها"( )، فالجلباب ثوب واسع قصير يُلبس فوق الثياب. إنه العباءة أو المعطف أو البالطو، عند خلعه يبقى المرء أو المرأة مستورا بثيابه.
والآية تأمر أزواج النبي وبناته ونساء المؤمنين بإدناء الجلباب عليهن، أي ملازمته وعدم تركه عند الخروج، أي لا تخرج إلا وهي لابسة جلبابها، أي لابسةً بالطو خفيف فوق ملابسها، وتعلل الآية ذلك بأنه (أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) أي يُعرفْنَ أنهن حرائر فلا يتعرضن للأذى الذي يتعرض له الإماء، إذ كانت الحرائر تتعرض للتحرش، ويزعم المتحرش أنه ظنها أمة وأنه كان يفحصها بقصد شرائها. 
قال مجاهد في تفسير الآية: "يتجلببن حتى يُعلمَ أنهن حرائر [فـ] لا يَعْرض لهن فاسق بأذى"( )، وقال محمد عزة دروزة: "لا تفيد [الآية] أن اتخاذ المؤمنات للجلباب [كان] شرعا إسلاميا جديدا. وإن الذي تفيده هو أن اتخاذ النساء للجلباب كان زيّا ممارَسًا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم، فأَمرتْ [الآيةُ] بإدنائه [أي التزامه]، كتعليم بزيّ خاص، يُعرَفُ به [الحرائر من الإماء]"( ).
هذا هو الخمار وهذا هو الجيب، وهذا هو ضرب الخمار على الجيب، وهذا هو الجلباب، وهذا هو إدناؤه على المرأة، الخمار غطاء الرأس، وضربه على الجيب يعني مده على الصدر حتى يغطيه بعد أن كان مكشوفا، والجلباب ثوب خفيف واسع قصير يستر الصدر والظهر، هو ما نسميه اليوم بالعباءة أو البالطو، وإدناء المرأة جلبابها عليها معناه لبسه عند الخروج ليَعلم من يراها أنها حرة، فلا يتعرض لها بأذى.
ولكن نفرا من المفسرين بدلا من أن يحددوا معنى هاتين العبارتين عن طريق تحديد معاني مفرداتهما، كما فعلنا، ذهبوا يفصِّلون القول فيما يرون أنه يجب على المرأة أن تستره من شَعر وأُذن وقُرط وعُنق ووجه، فلم يكن تفسيرهم فهما للنص، وإنما كان تحميلا للنص بما يرونه هم. وانتهى بهم الأمر إلى القول بأن جسم المرأة كله عورة، لعدم صحة الحديث الذي استثنى الوجه والكفين، وهو حديث (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلُح أن يُرَى منها إلا هذا) وأشار إلى وجهه وكفيه. قال ابن كثير في تفسيره إنه حديث مرسل، لأن خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها( ). لقد نظروا إلى الأَمة على أنها بضاعة، فيكون من المناسب أن تُعرض عرضا مغريا يبين مفاتنها، ليعرف من يراها أنها تساوي كذا من الدنانير، ونظروا إلى الحرة على أنها متعة لزوجها، فيكون من المناسب أن تُستر، لئلا يستمتع بها أحد غيره!
ومجمل القول أنّ أمر النساء بضرب الخمار على جيوبهن كان أمرا بتغطية الصدر المكشوف لا الوجه، وكان هذا الأمر تغييرا لعرف اجتماعي، وأن أمر الحرائر بلبس ثوب واسع قصير فوق الثياب، كان لتمييزهن عن الإماء، فلو لم يكن في عصر نزول القرآن عبيدٌ وإماء لما وُجدت آية (يُدنين عليهن من جلابيبهن).
وفي هذا السياق، ينبغي ألا نغفل عن ثلاثة أمور: 
الأمر الأول: أن المرأة إنسان، وليست شيئا يملكه الرجل فيجوز له أن يتحكم فيه، وأن ما يبدو من جمال المرأة في حدود أعراف المجتمع غير الذكوري، ليس عيبا ولا عورة ينبغي أن تُخفى.
والأمر الثاني: أن تصميم الزي مسألة اجتماعية، تختلف من بيئة إلى بيئة، وتختلف في البلد الواحد من عصر إلى عصر، وأنها تتأثر اليوم بالعولمة، أي تحول العالم إلى مجتمع واحد.
والأمر الثالث: أن القرآن كتاب دين قد تجاوزت الحياة بعض ما ورد فيه من توجيهات ظرفية، بل فيه ما تم تجاوزه في حياة الرسول نفسه، مما نزل قرآن ينسخه، باصطلاح الفقهاء. وإذا كان من القرآن ما تم تجاوزه في عهد الرسول الذي لم يبلغ ثلاثة عقود، فإنه ينبغي أن تكون الحياة بعد ألف وأربعمئة سنة، قد تجاوزت كثيرا مما ورد فيه، مما لا ينتمي إلى دائرتي الاعتقاد والشعائر.
ينبغي أن نحسن فهم القرآن، وأن يكون التدين أداة تسهم في رقي بلادنا وتقدمها، وليس أداة لمحاكاة حقبة قد مضت، فهذه المحاكاة ليس لها اسم واحد هو التخلف.