حالة عشق بين الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد، الذي خضع اليوم لعملية جراحية، ومدينة الإسكندرية، التي ارتبط بها وأحبها مثل حبيب ومحبوبته، ليس كونها مسقط رأسه ومكان مولده ونشأته، إنما أيضًا كما قال من قبل حمالة أوجه أو مدينة رؤية يستطيع كل كاتب أن يراها بشكل مختلف، ولكن الجميع يتفقون على أنها مدينة متوسطة محملة بالقلق والترف والحركة والحزن النبيل الذي تمنحه الموانئ، ومدينة تتمتع بالتسامح كصفة أساسية فيها في الوقت الماضي وليس الآن.
ثلاثية الإسكندرية
وتبدو مدينة الإسكندرية في العالم الروائي للكاتب والأديب إبراهيم عبد المجيد، تلخيصا لجذرية الوجود والحياة، وكتب عنها ثلاثيته الشهيرة "ثلاثية الإسكندرية" والتي تضم 3 روايات، وبدأها برواية «لا أحد ينام في الإسكندرية».
صدرت تلك الرواية عام 1996، وتوثق في إطار درامي العلاقات المتشابكة للمجموعات المختلفة من سكان مدينة الإسكندرية خلال فترة الحرب العالمية الثانية، حيث استعرضت العلاقة بين السكان المحليين للإسكندرية والوافدين عليها من دلتا وصعيد مصر، والعلاقة بين أتباع الديانات المختلفة في خلال رحلة التعايش اليومي مع الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي شكلت الحياة اليومية من بداية اندلاع الشرارات الأولى للحرب العالمية الثانية (1939)، وحتى اقتراب نيران هذه الحرب للحدود الغربية لمصر باندلاع معركة العلمين الأولى ومعركة العلمين الثانية (1942).
وتتمحور أحداث الرواية حول علاقة الصداقة بين اثنين من الوافدين على مدينة الإسكندرية، مجد الدين المسلم القادم من إحدى قرى دلتا مصر، ودميان المسيحى القادم من صعيد مصر، وفي إطار هذه العلاقة يتم استعراض رحلتهما اليومية معاً للصمود في وجه صعوبات الحياة المدنية وتحدياتها، إلى جانب رحلتهما الذاتية لاكتشاف الذات ونظرة كل منهما للأديان والاختلافات الثقافية والاجتماعية. وتستعرض الرواية العديد من الشخصيات النسائية المميزة التي تلقى الضوء على الأدوار الاجتماعية المختلفة التي لعبتها المرأة المصرية خلال هذه الحقبة.
وتعتبر الرواية أحد الأعمال الهامة في تاريخ الأدب المصرى والعربي المعاصر، حيث حصلت على جائزة معرض القاهرة الدولى للكتاب لأحسن رواية عن عام 1996، ودائمًا ما يتم ذكرها ضمن قوائم الأعمال الأدبية العربية الأكثر تأثيراً أو قراءة أو انتشار.
طيور العنبر
أما الرواية الثانية فهي "طيور العنبر"، الجزء الثاني من ثلاثية الإسكندرية، وتتناول الإسكندرية في خمسينيات القرن الماضي حتى الستينيات والأحداث السياسية والتاريخية وكيف بدأ الخروج الكبير للأجانب من المدينة، وكيف بدأت المدينة تفقد روحها العالمية وتصبح مدينة مصرية، هنا قصص الحب بين المصريين وبنات ونساء الجاليات الأجنبية وكيف انتهت وقصص الحب المصرية وسط مدينة تبتعد عن تاريخها العظيم.
لقد صارت الإسكندرية العالمية للأجانب وللمصريين حلما مثل طائر العنبر الأسطوري الذي لا يطهر أبدًا، هنا كانت نقطة التحول في تاريخ المدينة، وتمامًا مثل "لا أحد ينام في الإسكندرية" تتجلى روح المكان والزمان في كل أحداث الرواية وشخصيات لن تفارقك أبدًا من الأجانب والمصريين.
الإسكندرية في غيمة
وأخيرًا رواية «الإسكندرية في غيمة» هي الجزء الثالث من الثلاثية، وهذه الرواية عن المدينة في سبعينيات القرن الماضي، وكيف ظهرت في المدينة موجة جديدة من الفكر المتطرف دينياً تحالف مع النظام السياسي، لتتخلى المدينة عن روحها المصرية وتتغير فيها الأمكنة وعادات الناس؛ ويتراجع فيها التسامح وتودع روحها المصرية وما بقي من روحها الكوزموبوليتانية.
وكانت إبراهيم عبد المجيد قد قال من قبل إن أهم ما كان يميز الإسكندراني تلك اللهجة المميزة التي تسيطر عليها نون الجماعة، وقال إنه شاهد في الخمسينات هذا التنوع المدهش، وإن قوة المكان وتأثيره صنعا شخصيته وأدبه.