انطلقت اليوم أعمال الندوة الشهرية لمجلة الأزهر، والتي تنظمها الأمانة العامة المساعدة للثقافة الإسلامية بمجمع البحوث الإسلامية، تحت عنوان «نظام التطوير العقاري.. رؤية شرعية وقانونية».

قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، إن مصطلح "التطوير العقاري" مصطلح مستحدث لم يكن موجودا في كتب التراث والفقه القديم، وبالتالي ينبغي على الفقيه أن يدرس تاريخ التطوير العقاري، وأن يتصور معناه ويتكيف مع هذا النشاط، وأن يعي حكمه، وأن يدرك الواقع من حوله، حتى يستطيع تقديم الفتوى الصائبة في هذا المجال.
وأوضح عضو هيئة كبار العلماء، خلال مشاركته بأعمال الندوة الشهرية لمجلة الأزهر، والتي تنظمها الأمانة العامة المساعدة للثقافة الإسلامية بمجمع البحوث الإسلامية، تحت عنوان «نظام التطوير العقاري.. رؤية شرعية وقانونية»، أنه في نهاية القرن الثامن عشر ودخول الثورة الصناعية وتغير الوضع الاجتماعي، بدأ يحدث نزاع بين أصحاب المال والعمال، حيث حرص كل طرف منهم على تحقيق مصلحته، حتى ظهرت مشكلة العشوائيات في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، وبدأ الجميع يبحث عن حل لهذه المشكلة، خاصة بعدما اتجه منحنى الزيادة السكانية في الصعود، حتى حدث انفجار سكاني؛ مما دعى العلماء يقولون بأن هناك خطورة على كوكب الأرض ناتجة من عدم كفاية الموارد للسكان، ومن هنا ظهرت الحاجة للتطوير العقاري.
وأكد د. علي جمعة أن حل المشكلات القائمة بين البائع والمشتري للعقارات تكمن في تطبيق القاعدة الشريعة «العقد شريعة المتعاقدين»، مشددا على ضرورة التطبيق الفعلي لهذه القاعدة حتى يصبح ثقافة سائدة في المجتمع، وذلك بأن تكون العقود مبنية على اتفاق الطرفين وخاليا من الغش والتدليس والغرر والربا وغيرها من الشروط التي اشترطها العلماء لصحة العقود.
ودعا عضو هيئة كبار العلماء لإصدار مزيد من القوانين التي تدعم موقف المشتري للعقار أمام كبار المطورين العقاريين الذين يبرمون عقودا تحفظ حقوقهم فقط دون حق المشتري، كما طالب بتفعيل وجود جهات رقابية محايدة، لمتابعة إدارة النفقات التي يدعي أصحاب المجتمعات العمرانية صرفها بعد تسليم الوحدات، ثم يطلبونها من الملاك من حين لآخر.

فيما قال الدكتور نظير عياد الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، خلال كلمته التي ألقاها في افتتاح الندوة الشهريَّة لمجلة الأزهر تحت عنوان: (نظام التطوير العقاري.. رؤية شرعيَّة قانونيَّة)، إن الأزهر الشريف مؤسسة علمية عالمية ذات دعوة ورسالة، تاريخ وحضارة، قومية ومنارة، وهو كذلك منبر الريادة الوطنية، وضمير الأُمة الذي يشعر بآلامها ويُعبِّر عن طموحاتها، ويُدافع عن حقوقها، ويعمل على البحث عن متطلباتها، ويجتهد للوصول بها إلى غاياتها، كما أنه صرحُ الثقافة العربية والإسلامية الراسخ بتراثها العريق، وإشعاعها الوسطي الأصيل، الممتد في الداخل والخارج محليًّا وإقليمًّا ودوليًّا، ولم لا، وهو قلعة الدين وحصن اللغة، ومصدر الأُمة الذي يجمع بين التاريخ العريق، والماضي التليد، والحاضر النبيل، والساعي للمستقبل المشرق.
أضاف عيّاد قائلًا: دعوني أقول بأن هذا اللقاء من الأهمية بمكان وذلك لأمور عدة من أبرزها:التأكيد على دور المؤسسة الأزهرية نحو قضايا الأمة، ومشكلات المجتمع؛ إذ يأتي هذا اللقاء تحت عنوان نظام التطوير العقاري رؤية شرعية قانونية، التأكيد على المعالجة العلمية والحلول البحثية تجاه القضايا المجتمعية، وهذا أمر وإن لم ينفرد به هذه المؤسسة إذ تشاركها غيرها من المؤسسات الأخرى، إلا أن أهم ما يميزها في هذا الجانب رد الأمر إلى أهله والموضوع إلى ذويه، بالإضافة إلى التأكيد على الدور العلمي، وأثره في دنيا الناس إذ جل القضايا لا يمكن الانتهاء منها لرأي بعيد عن العلم وأدواته، ومن ثم كان الثناء على أهله والمشتغلين به، ومن ثم أوقف الله تعالى معرفته عليه وعلى الملائكة وعلى أولو العلم، أهمية العلم والتأصيل الشرعي للقضايا والموضوعات التي تتعلق بالمجتمع، والدور التجديدي الذي تؤديه هذه المؤسسة التي شرفنا الله تعالى بالانتساب إليها، فضلًا عن أهمية التكامل العلمي والمعرفي بين أصحاب التخصصات المتعددة والفنون المختلفة في معالجة القضايا وبحث المشكلات، وطرح الحلول، وهذا ما تتميز به مؤسسة الأزهر الشريف.
وأوضح أن التمويل يلعب دوراً حيوياً في الحياة الاقتصادية المعاصرة وأصبح يؤدي وظائف أساسية من خلال عمليات تعاقدية اكتسبت وصف التمويل وصارت تسمى به تعبيرًا عن الدور التمويلي الذي تؤديه بما يحقق الغايات المقصودة منها، كما يحتل تمويل العقارات من بين أنواع التمويل الأخرى أهمية بالغة نظراً لحاجة الناس الماسة لها ولاسيما السكنية منها ولما يتطلبه تمويلها من رؤوس أموال كبيرة مقارنة بتمويل المنقولات، وقد انعكست هذه الأهمية على الصيغ التعاقدية التي يتم تمويل العقارات من خلالها فأضحت هذه الصيغ تحظى لما تؤديه من وظائف تمويلية بأهمية لم تكن تحظى بها بصيغها التقليدية.
وبين الأمين العام، لقد نجح الفقهاء المسلمون المعاصرون نجاحًا كبيرًا في ترشيد هذه الصيغ التعاقدية التمويلية المعاصرة؛ وذلك من خلال أعمال البنوك وشركات التمويل وشركات الاستثمار؛ مما جدد الإيمان بصلاحية الفقه الإسلامي على استيعاب مستجدات المعاملات المالية المعاصرة؛ بل إن نجاح المعاملات المالية الشرعية في ميدان الأسواق المالية دفع بالعديد من المؤسسات المالية التقليدية إلى السير في ركاب الفقه الإسلامي والأخذ بتطبيقاته في الصيغ التمويلية المعاصرة.

من جانبه، قال الدكتور عبد الله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، إن العقار هو نوع من المال يعرفه الفقهاء بأنه كل شيء ثابت بحيزه، لا يمكن نقله من مكان لآخر دون تلف، بخلاف المنقولات، مؤكدا أن العقار له وضع خاص في الشريعة، من حيث كونه الميزان الذي يبرز الوضع الاقتصادي للأشخاص.
وأوضح عضو مجمع البحوث الإسلامية، خلال مشاركته بأعمال الندوة الشهرية لمجلة الأزهر، أن العقار كان يحتل قيمة مقدسة في نظر القانون، فكان يتم تسجيل نقل ملكيته، لكن بمرور الزمن تبين وجود أهمية كبرى لبعض المنقولات وأهمية تسجيل نقلها من طرف لآخر، حتى أصبحت فكرة التمييز بين العقار والمنقول في القانون تكاد تكون متلاشية، مؤكدا أن الفقه الإسلامي تنبه لهذا الأمر جيدا حين قسم الأموال والحقوق التي تثبت في زمم الناس إلى (دين - وعين)، والعين تعني العقار والمنقول.
وأضاف عضو مجمع البحوث، أن "القيمة المعرفية" أصبحت، في وقتنا الحالي، ذات أهمية عظمى مثلها مثل العقارات والمنقولات، مؤكدا أن مسألة التطوير العقاري يجب أن يتعانق فيها كل من العقار والمنقول والقيم المعرفية والمستجدات، حتى تتمكن الدول من النهوض والتقدم في ظل عالم متطور.