قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

حينما تتحول الغابة إلى مسرح أحداث.. القصة الكاملة لوفاة السباح ماجد في نادي بمصر الجديدة

جون
جون

لم يكن ذلك اليوم يحمل أي نذر شؤم، كان مجرد تدريب اعتيادي داخل نادٍ رياضي يُفترض أنه آمن، مُجهز، ومؤهل لحماية أعضائه. لكن في لحظة خاطفة، تحوّل المكان الذي صُمم لبناء الأجساد إلى مسرح للفقد، وتحولت ضحكات شاب في مقتبل العمر إلى صمت ثقيل يخيّم على أسرة بأكملها.


قصة «جون»، سباح نادي الغابة الرياضي، ليست مجرد واقعة غرق عابرة، بل حكاية موجعة عن دقائق ضاعت، وقرارات خاطئة، وإهمال وصفته الأسرة بـ«الجسيم»، انتهى بفقدان الوعي ثم الدخول في مرحلة صحية حرجة لم يخرج منها أبدًا.

واقعة الغرق.. دقائق حاسمة غابت فيها المسؤولية

تعرض سباح نادي الغابة الرياضي لحالة غرق داخل حوض السباحة، أدت إلى فقدانه الوعي وهو داخل المياه، وكان على وشك الغرق الكامل لولا تدخل بعض الأهالي المتواجدين بالمكان. وبدلًا من وجود منظومة إنقاذ محترفة، بدأت سلسلة من الأخطاء، حيث جرى إخراجه من المياه دون إجراءات طبية صحيحة.

وأثناء محاولة نقله إلى المستشفى باستخدام كرسي متحرك، سقط الشاب من أعلى الكرسي، ما تسبب في إصابته إصابة مباشرة في الرأس، وفقدانه درجة إضافية من الوعي، قبل أن يتم نقله لاحقًا إلى مستشفى الدعاة، حيث جرى حجزه لتلقي الرعاية الطبية اللازمة، والدخول في مرحلة الملاحظة الطبية الدقيقة.

اتهامات مباشرة بالإهمال

وجهت والدة المجني عليه اتهامات صريحة لإدارة نادي الغابة الرياضي بالإهمال، مؤكدة أن نجلها فقد الوعي مرتين متتاليتين، وأن التدخل البطيء والعشوائي أسهم بشكل مباشر في تدهور حالته الصحية ودخوله مرحلة متأخرة وخطيرة.

وتؤكد الأسرة أن ما حدث لم يكن قضاءً وقدرًا فقط، بل نتيجة تراكم أخطاء وإهمال، بداية من داخل حوض السباحة، مرورًا بغياب الإسعافات الأولية، وصولًا إلى طريقة النقل غير الآمنة.

«جون».. شاب طبيعي وحلم لم يكتمل
في لحظة كان من المفترض أن تكون اعتيادية داخل نادٍ رياضي، تحوّلت ضحكات شاب في مقتبل العمر إلى صمت ثقيل، وانقلبت ساعات التدريب إلى أيام طويلة من الانتظار بين أجهزة الإنعاش وغرف العناية المركزة. «جون»، شاب يبلغ من العمر 18 عامًا وتسعة أشهر، دخل إلى حوض السباحة كعادته، محاطًا بأحلامه وطموحه، وخرج منه محمولًا على أكتاف الإهمال، كما تصف أسرته لـ«صدى البلد»، فتحت منال ميخائيل، خالة جون، قلبها قبل أن تفتح ملف القضية، لتروي تفاصيل ما جرى، ولتطرح سؤالًا موجعًا: «إزاي تناموا وإنتوا في رقبتكم أرواح؟».

«جون».. شاب طبيعي لا يعاني من أمراض جسدية

وتبدأ منال حديثها بتصحيح ما وصفته بمحاولات «تضليل للرأي العام». تؤكد أن جون لم يكن من ذوي الهمم بالمعنى المتداول، موضحة أن إصابته بالتوحد هي اضطراب سلوكي وليس إعاقة ذهنية أو جسدية. تضيف: «جون كان شابًا طبيعيًا، جسديًا زي الفل، نشيط، بيتدرب بقاله تلات سنين متواصلين صيف وشتاء، وما عندوش أي تاريخ مرضي للصرع أو التشنجات زي ما النادي حاول يصدر».

وأكدت خالة الشاب الراحل، أن كل ما قيل عن «عدم اللياقة الجسدية» لا يمت للحقيقة بصلة، قائلة: «إحنا ما صحيناش من النوم لقينا ابننا غير لائق جسديًا. ولو حتى افترضنا جدلًا إن في مشكلة، فده على عهدة النادي مش على عهدة الأم أو الأب».

مدرب خاص ورسوم إضافية.. حرص أسري لا إهمال

وتوضح منال أن أسرة جون كانت حريصة على توفير أقصى درجات الأمان له، حتى إن والدته تعاقدت مع مدرب خاص برسوم إضافية، مخصص له وحده دون أي لاعب آخر، ليكون التركيز كاملًا معه داخل حوض السباحة. وتقول: «ده معروف في النادي، ومدرب خاص لجون بس، مش مجموعة صغيرة ولا حاجة، هو لوحده».

وتضيف أن الأم كانت موجودة طوال وقت التدريب، تراقب ابنها بعينيها، ولا تترك المكان، مؤكدة: «هي مش من الأمهات اللي بتمشي وتيجي، دي قاعدة بتبص عليه طول الوقت، بقالها تلات سنين بتعمل كده».

الدقائق العشر الأخيرة.. بداية الكارثة

وتروي منال تفاصيل يوم الواقعة، مشيرة إلى أن التدريب كان من المقرر أن يستمر ساعة كاملة. في الدقائق العشر الأخيرة، لاحظت والدة جون أنه يتم إخراجه من حوض السباحة، دون أن تدرك أن تلك اللحظة ستكون فاصلة. وتقول: «للأسف، الكابتن اللي كان معاه في المية ما أخدش باله إن الولد عنده مشكلة، كابتن تاني من بره البيسين هو اللي لاحظ وقال لهم طلعوا جون».

وهنا تتوقف منال لتؤكد أن هذه اللحظة وحدها تكشف حجم الإهمال، متسائلة: «لو الكابتن اللي معاه ما أخدش باله، يبقى كان فين؟ وبيعمل إيه؟».

نادٍ بلا منقذ أو طبيب أو مسعف

وتتسع دائرة الاتهام لتشمل إدارة النادي بالكامل. لتؤكد منال أن المكان لم يكن مجهزًا بأي وسائل إسعاف أولي، ولا يوجد منقذ، ولا مسعف، ولا طبيب، ولا حتى «تروللي» لنقل المصاب. وتصف المشهد قائلة: «نادي فيه رياضات متعددة، وما فيهوش أبسط الإمكانيات لإنقاذ روح؟».

وتضيف أن الكابتن الذي حاول إسعاف جون كان عديم الخبرة، ما أدى إلى إضاعة وقت ثمين، قُدر بما بين 15 و20 دقيقة، دون أي تدخل طبي حقيقي.

إسعاف خاطئ وسقوط على الأرض

لم يتوقف الإهمال عند غياب التجهيزات، بل امتد إلى طريقة التعامل مع جسد جون. تقول منال: «حاولوا يحطوه على كرسي متحرك، ودي كارثة في حد ذاتها. الولد جسمه مليان، وهم بيشيلوه غلط، اتهبد منهم على الأرض، واتصاب في رأسه، وفضل عنده الإصابة دي لغاية يوم الوفاة».

وتشير إلى أن النادي لم يكن حتى قريبًا من بوابة المستشفى كما تم الترويج، بل كان في بوابة أبعد، ما تسبب في مزيد من التأخير.

الوصول إلى المستشفى.. قلب متوقف ووعي غائب

تؤكد منال أن جون وصل إلى المستشفى فاقد الوعي، وقلبه متوقف، والأكسجين لم يصل إلى المخ.. «قعدوا حوالي 30 دقيقة كمان في المستشفى، يعني الولد حوالي 45 دقيقة بيصارع بين الحياة والموت».

بحسب رواية الأطباء، تم إخراج أكثر من ثلاثة لترات مياه من رئتيه، في مؤشر واضح على ما تعرض له داخل حوض السباحة. ورغم عودة النبض، إلا أن الوعي لم يعد أبدًا.

24 يومًا بين الأمل واليأس

منذ يوم 8 ديسمبر وحتى يوم الوفاة، ظل جون في حالة حرجة للغاية. توضح منال: «عملنا رسم مخ ورسم قلب، والمخ ما كانش بيدي أي إشارات». وخلال هذه الفترة، استعانت الأسرة باستشاريين وأخصائيين من خارج المستشفى، في محاولة أخيرة للبحث عن أمل.

وتؤكد أن جميع الأطباء، من داخل المستشفى وخارجها، أجمعوا على أن كل ما يمكن عمله قد تم بالفعل، وأن الحالة شديدة الخطورة، إلى أن تم تشخيص ما يُعرف بـ«موت جذع المخ».

اتهامات بالتهرب وتضليل الرواية

وتنتقد منال بشدة ما وصفته بمحاولات النادي تصدير روايات غير حقيقية، مثل الادعاء بأن جون كان يتناول أدوية مهدئة، أو أنه تعرض لتشنجات. وتقول بحسم: «الكلام ده مش حقيقي، هو بياخد أدوية فرط حركة مرتبطة بالتوحد، ودي مش مهدئات، ومفيش أي تقارير طبية بتقول غير كده».

كما تنفي تمامًا رواية أن الكابتن أنقذه بسرعة، مؤكدة أن الكاميرات موجودة، وأن الفيديوهات ستظهر الحقيقة كاملة بعد صدور تقرير الطب الشرعي.

البلاغات الرسمية.. الطريق إلى العدالة

 تكشف منال أن الأسرة فوجئت بأن المستشفى لم تحرر محضرًا بالواقعة، ما دفعهم للتوجه إلى قسم النزهة لتحرير محضر رسمي، ثم تقديم بلاغ إلى النيابة، متهمين الكابتن المسؤول، والكابتن المشرف، وإدارة النادي بالإهمال الجسيم.

وتقول: «إزاي نادي ما عندوش منقذين؟ ما عندوش مسعف؟ ما عندوش ترولي؟ ده تقصير واستهانة بالأرواح».

كلمة حق في حق المستشفى

ورغم الألم، حرصت منال على توجيه الشكر لإدارة المستشفى، مؤكدة أنها لم تقصر في شيء. تقول: «علشان أكون أمينة، المستشفى عملت كل اللي عليها، وكل الاستشاريين أكدوا كده، المشكلة كانت قبل ما يوصل المستشفى».


 

وأكدت منال ميخائيل أن المأساة كانت مضاعفة على أسرة جون، مشيرة إلى أنه الطفل الوحيد لوالديه، قائلة: «جون هو الابن الوحيد لأبوه وأمه، وكل حياتهم كانت متعلقة بيه، كل أحلامهم ومستقبلهم كان فيه». وأضافت أن فقدانه لم يكن مجرد رحيل ابن، بل انهيار عالم كامل لأسرة كانت ترى فيه حياتها كلها، مؤكدة أن الألم الإنساني لا يقل قسوة عن تفاصيل الإهمال التي وقعت داخل النادي.
 

في ختام حديثها، تعود منال إلى السؤال الأول، لكن بصوت أكثر وجعًا: «اللي حصل ده مش قضاء وقدر وبس، ده إهمال جسيم. وقت ضاع من عمر ولد، دقيقة ورا دقيقة، لحد ما راح».

وتضيف: «إحنا مش بنجتهد، ولا بنفترض، في كاميرات، وفي تقارير طبية، والحقيقة هتظهر. رسالتنا بس: الأرواح مش أرقام، وكل دقيقة إهمال ممكن تقتل إنسان».

هكذا تُسدل الستارة على رواية أسرة تبحث عن العدالة، لا انتقامًا، بل حمايةً لأرواح أخرى، حتى لا تتكرر المأساة، وحتى لا يتحول أي حوض سباحة مرة أخرى إلى مسرح لفقدان جديد.

قصة جون ليست مجرد حادث غرق، بل جرس إنذار مدوٍ حول الإهمال داخل المنشآت الرياضية. دقائق ضاعت، وقرارات خاطئة، وغياب مسؤولية، كانت كفيلة بأن تحول تدريبًا عاديًا إلى مأساة لا تُنسى.
أسرة لا تبحث عن انتقام، بل عن عدالة، ورسالة واضحة.. الأرواح ليست أرقامًا، وكل دقيقة إهمال قد تقتل إنسانًا.