في زمن تحكمه الخوارزميات ويقاس فيه النجاح بعدد الثواني التي يظل فيها المستخدم محدقًا في الشاشة، لم يعد المحتوى الجيد شرطًا أساسيًا للانتشار، بل أصبح الغريب، الصادم، وغير المنطقي هو العملة الرائجة.
هكذا وجدت فئة جديدة من الفيديوهات طريقها إلى منصات التواصل، وعلى رأسها يوتيوب، محتوى يُنتج بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، بلا قصة، ولا معنى، لكنه قادر على حصد ملايين المشاهدات وتحقيق أرباح طائلة.
وهذا النوع من الفيديوهات، الذي يُعرف باسم "النفايات الرقمية"، لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل صناعة تدر عشرات الملايين من الدولارات سنويًا، وتثير في الوقت ذاته مخاوف أخلاقية، تربوية، وبيئية متزايدة.
_825_022218.jpg)
محتوى عبثي يولّده الذكاء الاصطناعي
انتشرت خلال الأشهر الأخيرة مقاطع فيديو على نطاق واسع عبر منصة يوتيوب، تتسم بمشاهد غير منطقية وشخصيات كرتونية وحيوانات تتحدث وأبطال خارقين يؤدون أفعالًا عبثية دون سياق واضح أو مضمون معرفي. ورغم الطابع الطفولي السطحي لهذه المقاطع، فإنها لا تُنتج داخل استوديوهات تقليدية أو عبر فرق إخراج محترفة، بل يتم توليدها بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
هذا النوع من المحتوى يعتمد على توليد الصور والحركة والصوت آليًا، دون تدخل بشري يُذكر، ما يسمح بإنتاج كميات ضخمة من الفيديوهات خلال وقت قياسي، وبتكلفة منخفضة للغاية، مقارنة بصناعة المحتوى التقليدية.
"النفايات الرقمية".. تجارة بملايين الدولارات
وفقًا لتقرير حديث نشرته صحيفة "الجارديان"، برز مصطلح "النفايات الرقمية" أو AI Slop لوصف هذه الفئة من المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، والذي لا يكتفي بملء الفضاء الرقمي، بل تحول إلى نشاط تجاري مربح يدر أكثر من 117 مليون دولار سنويًا.
ويستهدف هذا المحتوى بشكل أساسي الأطفال، مستغلًا أوقات فراغهم وقابليتهم العالية للتفاعل مع الصور السريعة والألوان الزاهية، ما يجعله حاضرًا بقوة داخل البيوت دون رقابة حقيقية.
دراسة Kapwing: نمو متسارع بلا قيمة
وكشفت دراسة حديثة أعدتها منصة Kapwing، وشملت تحليل 15 ألفًا من أشهر قنوات يوتيوب، أن نحو 10% من القنوات الأسرع نموًا عالميًا مخصصة بالكامل لإنتاج محتوى "النفايات الرقمية". ولا يشير هذا المصطلح فقط إلى رداءة المحتوى، بل يعكس فائضًا بصريًا هائلًا يستهلك طاقة معالجة ضخمة ومساحات تخزين سحابية هائلة، دون تقديم قيمة معرفية أو ترفيهية حقيقية.
وتُصنف هذه الظاهرة باعتبارها عبئًا تقنيًا وبيئيًا في آن واحد، في ظل تزايد استهلاك الطاقة المرتبط بتشغيل الخوادم العملاقة التي تستضيف هذا الكم من الفيديوهات.
خوارزميات يوتيوب في قلب الأزمة
ووفقًا لما نقلته "الجارديان"، فإن خوارزمية يوتيوب تقترح هذا النوع من المقاطع بنسبة تصل إلى 20% من المحتوى المعروض على المستخدمين، ما يضعهم أمام سيل متواصل من الفيديوهات المتشابهة والمكررة، ويخلق دائرة مشاهدة مغلقة يصعب كسرها.
وتؤكد التجارب أن الحسابات الجديدة، التي لا تملك سجل اهتمامات واضحًا، تكون أكثر عرضة للتوجيه المباشر نحو هذا المحتوى، باعتباره قادرًا على جذب الانتباه سريعًا بغض النظر عن الفئة العمرية.
أرقام ضخمة وانتشار عالمي
تمكنت 278 قناة متخصصة في هذا النوع من المحتوى من تحقيق أكثر من 63 مليار مشاهدة. وعلى المستوى الجغرافي، تصدرت إسبانيا قائمة الدول من حيث عدد المشتركين، بأكثر من 20 مليون متابع، تلتها مصر بنحو 18 مليونًا، ثم الولايات المتحدة والبرازيل.
وتبرز قناة Bandar Apna Dost الهندية كنموذج صارخ، بعدما حققت 2.4 مليار مشاهدة، مع أرباح سنوية تُقدر بنحو 4 ملايين دولار، من خلال محتوى يجمع بين قرد وشخصية شبيهة بـ"هالك" في مغامرات عبثية. كما حققت قناة Pouty Frenchie السنغافورية، الموجهة للأطفال، نحو ملياري مشاهدة، بعائدات سنوية وصلت إلى 4 ملايين دولار.
اقتصاد الانتباه وعامل الغرابة
نشرت منصات مثل Forbes وMIT Technology Review تحليلات تفسر هذا الانتشار الواسع عبر مفهوم "اقتصاد الانتباه"، حيث لم تعد جودة المحتوى هي المعيار الأساسي، بل قدرته على إبقاء المستخدم أطول وقت ممكن أمام الشاشة.
وتعتمد هذه الفيديوهات على تحفيز بصري مفرط، باستخدام ألوان مشبعة، حركات سريعة، وموسيقى صاخبة، صُممت خصيصًا لتكون "صائدة للعين". كما تستغل تقنيات الذكاء الاصطناعي ما يُعرف بـ"عامل الغرابة"، من خلال إنتاج صور غير منطقية تثير الفضول أو الصدمة، ما يدفع المشاهد إلى الاستمرار في المتابعة، وهو ما تترجمه الخوارزميات فورًا على أنه اهتمام يستحق الترويج.
فضول المشاهد هو الوقود
ويوضح خبراء الذكاء الاصطناعي، أن سبب انتشار هذه الفيديوهات يعود إلى غرابتها وعدم واقعيتها، إضافة إلى انجذاب المستخدمين لفكرة أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على سرد القصص، حتى وإن كانت عبثية.
كما أن الفضول لمعرفة حدود هذه التقنيات وما وصلت إليه يلعب دورًا محوريًا في جذب المشاهدين، وتوافر عناصر معينة داخل أي فيديو يضمن انتشاره، حتى لو كان موجّهًا لفئات عمرية محددة وبشكل غير واقعي. ومع تحقيق هذه النوعية من المحتوى ملايين المشاهدات، ظهرت فئة كرست وقتها لإنتاجه بهدف الربح فقط، ما أدى إلى تكراره بصور وأفكار متعددة، مثل مقاطع القطط ثلاثية الأبعاد المنتجة بالذكاء الاصطناعي.
ويرى الخبراء أن الزيادة الكبيرة في هذا الكم من المحتوى ستؤدي مع الوقت إلى حالة من التشبع، ومن ثم تراجع معدلات انتشاره، بعد أن يكتشف الجمهور سهولة إنتاجه وطبيعته التجارية البحتة.
الأطفال في دائرة الاستهداف
وأشارت تقارير استقصائية نشرتها The New York Times وThe Guardian إلى أن هذا المحتوى يستهدف اللاوعي لدى الأطفال على وجه الخصوص، حيث يستهلك الصغار هذه المقاطع بشكل متكرر دون القدرة على التمييز بين المنطق والعبث، ما يخلق حلقة مشاهدة مفرغة يصعب كسرها.
ورغم أن المنصات لا تروج لهذه الفيديوهات باعتبارها خيارًا أخلاقيًا، فإنها تدعمها رقميًا عبر فخ "وقت المشاهدة"، إذ تُصمم خوارزميات يوتيوب وفيس بوك لترقية أي محتوى يُبقي المستخدم داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة.
صناعة متكاملة وعفن دماغي
الظاهرة تحولت إلى تجارة متكاملة الأركان. فإلى جانب الفيديوهات نفسها، نشأت مجتمعات كاملة على منصات مثل تليجرام وديسكورد، تبيع دورات تدريبية لتعليم كيفية إنتاج "النفايات الرقمية" وجذب المشاهدات.
ويُصنف هذا المحتوى تحت مسمى "العفن الدماغي" Brain Rot، وهو مصطلح يُطلق على المواد المصممة لاستنزاف انتباه المستخدمين، خاصة الأطفال، عبر صور براقة وقصص غير منطقية تُنتج آليًا.
موقف يوتيوب والتحدي التقني
في المقابل، تؤكد شركة يوتيوب أنها لا تعادي المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي لمجرد كونه كذلك، مشددة على أن معيارها الأساسي هو الجودة. وتوضح المنصة أنها تعمل باستمرار على تقليص انتشار المقاطع منخفضة الجودة، بغض النظر عن طريقة إنتاجها.
إلا أن حجم هذه الصناعة وسرعة توليد المحتوى يمثلان تحديًا تقنيًا متزايدًا، يصعب احتواؤه بالكامل، في ظل سباق محموم بين الخوارزميات وصناع المحتوى، حيث يظل السؤال مفتوحًا: من يدفع الثمن الحقيقي لهذا التلوث الرقمي؟