قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

حكاية نجيب محفوظ مع ألاعيب إسرائيل.. كواليس محاولة تجنيد تل أبيب لـ أديب نوبل التي فشلت

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

في تاريخ الأمم، لا تقل معارك الوعي خطرًا عن معارك السلاح، ولا تقل محاولات اختراق العقل خطورة عن اختراق الحدود، ومنذ توقيع اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية، تحولت الثقافة إلى ساحة خفية للصراع، حاولت فيها إسرائيل أن تصنع سرديتها الخاصة عبر استقطاب رموز فكرية وأدبية عربية، أو توظيف أسمائهم في خدمة خطاب سياسي يتجاوز حدود الأدب إلى تبرير الاحتلال وتجميل صورته.


في هذا السياق، تبرز شهادة نجيب محفوظ، كما رواها الكاتب يوسف القعيد، لا بوصفها ذكريات شخصية، بل باعتبارها وثيقة وطنية كاشفة، تُظهر كيف تُدار ألاعيب السياسة حين تتخفى في ثوب الثقافة، وكيف واجه أديب نوبل تلك المحاولات بالصمت حينًا، وبالرفض الحاسم حينًا آخر، وبالغضب النادر عندما تمادى التزوير.

هدوء نادر.. وغضب استثنائي
يعرف المقربون من نجيب محفوظ أنه كان إنسانًا بالغ الهدوء، قليل الانفعال، متسامحًا في خلافاته، نادر الغضب، يوسف القعيد، الذي رافقه في جلساته الممتدة على ضفاف النيل، يؤكد أن محفوظ لم يُرَ غاضبًا إلا مرات معدودة طوال عقود من المعرفة.


إحدى تلك اللحظات الاستثنائية جاءت عندما ذُكرت أمامه مذكرات سفير إسرائيل الأسبق في القاهرة، التي نُشرت في إسرائيل ثم تُرجمت إلى العربية ونُشرت مسلسلة في إحدى الصحف المصرية، لم يكن الغضب بسبب نشر المذكرات في حد ذاته، بل بسبب ما ورد فيها من ادعاء خطير، نسب إلى نجيب محفوظ قوله إن «الذين يرفضون السلام مع إسرائيل مجموعة من الأرزقية يخافون على أرزاقهم».
هنا، خرج محفوظ عن هدوئه المعتاد. لم يناور، ولم يهادن، ولم يلجأ إلى الغموض، قال بوضوح قاطع: «أنا أعرف نفسي، وأعرف طريقة تفكيري، ولا يمكن أن أقول هذا الكلام».

الاعتراف باللقاء.. ورفض الأكذوبة
المثير في موقف نجيب محفوظ أنه لم ينكر اللقاء، ولم يتبرأ من الحوار، اعترف بأن الزيارة تمت بالفعل، وأنه التقى السفير الإسرائيلي في مكتبه بجريدة الأهرام عام 1982، لكنه في الوقت نفسه أبدى شجاعة نادرة حين قال إنه لا يتذكر تفاصيل الحوار بعد مرور كل هذه السنوات، مؤكدًا أن عدم التذكر لا يعني القبول بالتزوير.

كان موقفه أخلاقيًا بامتياز، اللقاء لا يعني التطابق، والحوار لا يعني التبني، والسلام لا يعني التخلي عن الكرامة أو تشويه مواقف الرافضين للتطبيع.

الاسم الكبير.. بين التقدير والاغتصاب
قبل أن يصل محفوظ إلى ذروة غضبه بسبب الرواية الإسرائيلية، كان قد فتح – في حديثه – ملفًا بالغ الحساسية: محاولات استغلال اسمه دون علمه أو موافقته.
يروي محفوظ واقعة فوجئ فيها بنشرة بعنوان «سجناء الرأي» وقد وُضع اسمه رئيسًا فخريًا لها دون إخطار، لم يكن اعتراضه على الفكرة، بل على الأسلوب، فالاسم، في نظره، مسؤولية، وليس ديكورًا يُعلّق لتجميل المبادرات.
ثم يروي واقعة أخرى أكثر خطورة، حين حضرت إليه سيدة تقيم في الولايات المتحدة بصفتها مندوبة عن الأمم المتحدة، ومعها بيان عن أطفال العراق، بعد قراءة البيان، اكتشف محفوظ أنه سياسي لا إنساني، فرفض التوقيع، لكنه فوجئ لاحقًا بنشر أخبار تفيد بأن «نجيب محفوظ بدأ حملة مليون توقيع لإنقاذ أطفال العراق»، علّق محفوظ بمرارة ووضوح: «هذا اغتصاب لتوقيعي».
هذه الوقائع ليست هامشية، بل تمثل السياق الذي يجعل رواية السفير الإسرائيلي أكثر خطورة، لأنها تأتي ضمن نمط متكرر من توظيف اسم محفوظ دون إذنه.

حين قرر نجيب محفوظ كسر الصمت
عندما شعر نجيب محفوظ أن الصمت لم يعد كافيًا، وأن الرد أصبح ضرورة، قرر – للمرة الأولى – أن يكشف أسرارًا لم يكن ينوي إعلانها أبدًا، قالها صراحة: «ما داموا قد بدأوا في كتابة المذكرات، فسأقول أنا أيضًا ما لم أقله من قبل».

عرض جائزة إسرائيل الكبرى
كشف محفوظ أنه بعد توقيع اتفاقية السلام بسنوات، وقبل حصوله على نوبل، زاره مسؤول من السفارة الإسرائيلية في جريدة الأهرام، وعرض عليه منحه جائزة إسرائيل الكبرى، وهي أعلى جائزة ثقافية تمنحها إسرائيل.
كان الرد حاسمًا بلا تردد: «لو حدث هذا، سيكون هناك ربط بين الجائزة وموقفي المؤيد للسلام، وأنا لا أقبل ذلك».
رفض محفوظ الجائزة ليس رفضًا للسلام، بل رفضًا لاستخدام الجائزة كأداة سياسية لتسويق مواقف بعينها، أو لتقديمه للعالم بوصفه «مثقف السلام الإسرائيلي».

ترشيح عاموس عوز.. وموقف أخلاقي فاصل
الواقعة الثانية جاءت بعد حصوله على جائزة نوبل، حين تلقى محفوظ رسالة من شيمون بيريز يطلب فيها ترشيح الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز للجائزة.
مرة أخرى، جاء الرد محسوبًا، هادئًا، لكنه بالغ الدلالة: «عاموس عوز سيجد من يرشحه في أوروبا وأمريكا.. أما الكاتب العربي، فقد لا يجد غيري»، بهذه الجملة، رسم نجيب محفوظ حدودًا أخلاقية واضحة: العالم منفتح أمام الأدب الإسرائيلي، بينما الأدب العربي ما زال يعاني من التهميش، وإذا كان له حق الترشيح، فالأولى أن يُستخدم لصالح الثقافة العربية.

سلام بلا تزوير
تكشف هذه الشهادة أن نجيب محفوظ لم يكن يومًا أسير موقف سياسي ضيق، ولم يكن أداة في يد أحد، كان مع السلام بوصفه قيمة إنسانية، لكنه رفض السلام بوصفه صفقة ثقافية، ورفض أن يُستخدم اسمه لتبرير سياسات أو تشويه مواقف شعب بأكمله.
غضبه النادر لم يكن انفعالًا عابرًا، بل كان لحظة دفاع عن المعنى، عن استقلال المثقف، وعن حق الشعوب في ألا يُتحدث باسمها زورًا.

شهادة باقية للتاريخ
ما رواه يوسف القعيد في «ثرثرة محفوظية على النيل» يتجاوز حدود السيرة الشخصية، ليصبح وثيقة كاشفة عن مرحلة كاملة من الصراع الثقافي العربي – الإسرائيلي. شهادة تؤكد أن نجيب محفوظ، رغم هدوئه، كان صلبًا حين يتعلق الأمر بالكرامة، واضحًا حين يتعلق الأمر بالوطن، وصادقًا حين يكتب التاريخ من موقع الضمير لا من موقع الحسابات.
وفي زمن تتكرر فيه محاولات توظيف الرموز، تبقى حكاية نجيب محفوظ مع ألاعيب إسرائيل درسًا مفتوحًا: أن الكبار لا يُستدرجون.. وأن الكلمة الحرة لا تُشترى.. وأن الصمت أحيانًا حكمة، لكن الكلام – حين يُقال – يكون شهادة.