قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

كيف مات نجيب محفوظ مرتين؟.. محمد الباز يكشف أسرارا من حياة أديب نوبل.. تفاصيل سنواته الأخيرة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

ليس كل القتل طعنة سكين، أحيانًا يكون القتل صمتًا طويلًا، أو خذلانًا بطيئًا، أو تجاهلًا متراكمًا، حتى يغدو الموت نتيجة طبيعية لمسار كامل من الإهمال، بهذا المعنى الصادم يفتح الدكتور محمد الباز كتابه الجديد «أيام الألم.. كيف قتلنا نجيب محفوظ؟»، الصادر حديثًا، ليعيد طرح سؤال أخلاقي وثقافي بالغ القسوة: هل مات نجيب محفوظ لأنه طُعن في عنقه؟ أم لأنه تُرك بعد ذلك سنوات طويلة يتآكل جسدًا وروحًا، بينما كنا نكتفي بالاحتفاء بالاسم والصورة؟، الكتاب ليس سيرة تقليدية، ولا رثاءً عاطفيًا، ولا إعادة سرد لمحاولة الاغتيال الشهيرة عام 1994، بل هو محاكمة مفتوحة للمجتمع كله: المثقفين، الأصدقاء، الأطباء، المؤسسات، والأسرة، قبل أن يكون محاكمة للخطاب المتطرف الذي حاول اغتيال الفكرة بسكين.


نجيب محفوظ الإنسان.. لا الأيقونة


ينحاز محمد الباز منذ الصفحات الأولى إلى نجيب محفوظ الإنسان، لا نجيب محفوظ التمثال، لا يتوقف طويلًا عند نوبل، ولا عند عبقرية «الثلاثية» و«أولاد حارتنا»، بل يتعمد أن يبتعد عن هذه المنطقة المأمونة، ليقترب من الرجل العجوز الطيب، الذي عاش سنواته الأخيرة محاصرًا بالألم الجسدي والعزلة النفسية، وفاقدًا لأهم أدوات حياته: القراءة، الكتابة، والاختلاط الحر بالناس.


يرصد الكتاب بدقة مؤلمة كيف تحولت محاولة الاغتيال إلى جرح روحي لم يلتئم أبدًا.
نجا الجسد، لكن الروح – كما يقول الباز – أصيبت في مقتل.
كاتب قضى عمره وسط الناس، ومن الناس، وجد نفسه فجأة محاطًا بالحراسة، محاصرًا بالخوف، عاجزًا عن السير وحده في الشارع، أو مصافحة قارئ عابر دون قلق.


الاغتيال الأول.. حين طُعنت الفكرة


يفرد الكتاب مساحة واسعة لتفاصيل يوم 14 أكتوبر 1994، لا بوصفه خبرًا أمنيًا، بل بوصفه لحظة فاصلة في تاريخ الثقافة المصرية.
يعيد الباز – اعتمادًا على شهادات موثقة لرجاء النقاش، محمد سلماوي، يوسف القعيد، وأطباء مستشفى الشرطة – بناء المشهد لحظة بلحظة: نجيب محفوظ يخرج كعادته إلى ندوته الأسبوعية، يظن أن الشاب القادم نحوه قارئ يريد السلام، فيغرس السكين في عنقه.
لكن الأهم من تفاصيل الطعنة، هو ما تلاها: كيف فهم نجيب محفوظ نفسه ما جرى؟، وكيف أدرك منذ اللحظة الأولى أن المقصود ليس شخصه، بل العقل، والفكرة، وحرية الإبداع؟

ينقل الكتاب كلمات محفوظ الشهيرة التي قالها للأدباء في مسرح البالون، حيث أكد أن الطعنة وُجهت إلى كل من يمسك قلمًا، وأن الإرهاب لا يمت للإسلام بصلة، وأن الدفاع عن حرية الفكر هو دفاع عن مستقبل الوطن.

الاغتيال الثاني.. حين قتلناه ببطء
القسم الأكثر قسوة في الكتاب هو ذاك الذي يتناول ما يسميه الباز «القتل الثاني»، هنا لا يوجد قاتل محدد، ولا سكين، بل شبكة واسعة من المسؤوليات المشتركة.


يروي الكاتب، اعتمادًا على متابعته الصحفية الدقيقة، كيف عاش محفوظ سنواته الأخيرة بين المستشفيات، والسقوط المتكرر، وضعف السمع والبصر، والأرق، والعجز عن الكتابة.
كيف كان ينتظر الموت في هدوء، بينما المحيطون به – بحسن نية أحيانًا، وبإهمال أحيانًا أخرى – لم يدركوا حجم ما يعانيه.


واحدة من أكثر اللحظات دلالة في الكتاب هي شهادة الناشر الأمريكي سيدني شيف، الذي اتصل غاضبًا يسأل: «كيف تسمحون بأن يصل نجيب محفوظ إلى هذا الحال؟» سؤال يضع القارئ مباشرة أمام مرآة موجعة: الغرباء أدركوا قيمة مريضنا، بينما نحن انشغلنا عنه.

جلسات محفوظ.. مقاومة بالحياة


لا يغفل الكتاب الوجه الآخر من الحكاية: مقاومة نجيب محفوظ للحياة حتى اللحظة الأخيرة، يرسم صورة حميمة لجلساته الأسبوعية المنتظمة، بدقة تكاد تكون طقسية: الأحد في شبرد، الاثنين في المطار، الثلاثاء على مركب في النيل، الأربعاء في المعادي، الخميس في كازينو بالمنيل، الجمعة في بيت يحيى الرخاوي، جلسات كانت بالنسبة له فعل بقاء، وتمسكًا بالحياة، رغم العجز والألم.
حتى حين فقد القدرة على الكتابة، كان يُملي أفكاره، ويصر على كتابة مقاله الأسبوعي في «الأهرام»، وكأنه يقول: ما دام العقل يعمل، فلا هزيمة كاملة.

كتاب يتجاوز محفوظ
قيمة «أيام الألم» لا تكمن فقط في إعادة قراءة السنوات الأخيرة لنجيب محفوظ، بل في كونه نصًا كاشفًا لعلاقة المجتمع العربي بمبدعيه، كيف نرفعهم إلى السماء وهم أحياء، ثم نتركهم يسقطون وحدهم حين يضعفون، كيف نحول الرموز إلى صور، ونتجاهل البشر خلفها.
الكتاب مكتوب بلغة صحفية مشحونة بالسرد، تجمع بين الوثيقة والتحليل، وبين الشهادة والانفعال الأخلاقي، دون أن يسقط في الميلودراما أو الاتهام المجاني، الباز لا يدين شخصًا بعينه، بل يدين منظومة كاملة من اللامبالاة.

 «أيام الألم» ليس عن نجيب محفوظ وحده، بل عن مستقبل الثقافة، وعن معنى أن يكون للمجتمع ضمير، لأنه يطرح سؤالًا لا مفر منه: هل نتعلم من موت مبدعينا؟، أم سنواصل قتلهم مرتين: مرة بالتكفير، ومرة بالإهمال؟، هذا كتاب يُقرأ لا من أجل البكاء على نجيب محفوظ، بل من أجل ألا نكرر الجريمة مع غيره.