فتاوى
حكم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا المتقاربة
حكم صلاة الجمعة في مكان يفرض رسوما للدخول فيه
ما أفضل الليالي التي يستحب إحياؤها بالعبادة وفعل الخيرات؟
نشر موقع صدى البلد خلال الساعات الماضية عددا من الفتاوى التى تشغل أذهان كثير من المسلمين نستعرض أبرزها فى التقرير التالى.
حكم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا المتقاربة
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا يقول صاحبه: ما حكم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا المتقاربة؟ فإنه يوجد في بعض القرى مسجد كبير يسع المصلين، ويوجد في الشوارع الجانبية زوايا تُصلَّى فيها الصلوات الخمس، فهل يجوز إقامة الجمعة في هذه الزوايا؟
وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: الأصل أن تصلى الجمعة في المسجد الكبير الذي يسع المصلين، فإن ضاق أو بعدت المسافة بحيث لا يستطيع المصلُّون الذهاب إليه إلا بمشقة فحينئذ تجوز صلاة الجمعة في الزوايا ولا حرج فيها، على أنَّه ينبغي مراعاة ضوابط الجهات المنظمة لإقامة الجمعة في الزوايا.
مكان إقامة صلاة الجمعة
من الأحكام الخاصة بصلاة الجمعة -ومنها صورة السؤال- مكان إقامتها، أي: المكان الذي تُؤدَّى فيه، والحديث في هذه المسألة يأتي من جهتين:
الأُولى: من حيث حكم صلاة الجمعة في الزوايا.
الثانية: من حيث حكم تعدد الجمعة في البلدة الواحدة.
حكم صلاة الجمعة في الزوايا
أمَّا مِن حيث حكم صلاة الجمعة في الزوايا، فإنَّ صلاة الجمعة في الزوايا جائزةٌ، إذ ليس من شروط صحتها المسجد، بل تجوز في الفضاء الخالي من البناء وفي الزوايا وفي المصلَّى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أَنَّهُمْ كَتَبُوا إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْجُمُعَةِ؟ فَكَتَبَ: جَمِّعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ". رواه ابن أبي شيبة في "مُصنَّفه".
وهذا يدل على أَنَّ إقامة الجمعة تجوز في أي مكان من القُرَى والـمُدن والفِنَاء وغير ذلك مِن الأماكن.
قال العظيم آبادي في "عون المعبود" (3/ 281، ط. دار الكتب العلمية): [وذهب البعض إلى اشتراط المسجد، قال: لأنها لم تقم إلا فيه، وقال أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء: إنه غير شرط، وهو قوي إن صحَّت صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي، وقد روى صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي ابن سعد وأهل السير، ولو سلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها في المسجد على اشتراطه] اهـ.
وعلى هذا الذي ذكرناه ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، على اختلاف بينهم في التفاصيل، فقد اشترط الحنفيةُ الـمِصْر وتوابعه، والمراد بالـمِصْر -كما نَصَّ عليه الكاساني في "البدائع" (1/ 260، ط. دار الكتب العلمية) وصَحَّحه-: كل بلدةٍ فيها أسواقٌ ووالٍ وعالمٌ يُرْجَع إليه في أمور الدِّيْن. أمَّا الشافعية فإنهم يشترطون أن تكون صلاة الجمعة في حدود الأبنية، بينما يرى الحنابلة اشتراط القُرْب مِن البنيان.
قال الإمام أبو بكر الحدَّادي في "الجوهرة النيرة" (1/ 88، ط. المطبعة الخيرية) عند الكلام على أحكام صلاة الجمعة: [(قوله: أو في مُصَلَّى الـمِصْر) لأنّ له حكم الـمِصْر، وليس الحكم مقصورًا على الـمُصَلَّى، بل تجوز في جميع أفنية الـمِصْر، وقَدَّروه بمنتهى حد الصوت] اهـ.
وقال الإمام محيي الدين النووي في "المجموع" (4/ 501، ط. دار الفكر) عند كلامه أيضًا على أحكام صلاة الجمعة: [قال أصحابنا: ولا يشترط إقامتها في مسجد، ولكن تجوز في ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البلدة معدودة من خطتها، فلو صَلَّوْهَا خارج البلد لم تصح بلا خلاف، سواء كان بقرب البلدة أو بعيدًا منه، وسواء صلوها في كِنٍّ أم ساحة؛ ودليله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صَلُّوا كَمَا رَأيتُمُوني أصَلِّي»، ولم يُصلِّ هكذا] اهـ.
وقال الإمام أبو السعادات الـبُهُوتي في "كشاف القناع" (3/ 337، ط. وزارة العدل السعودية): [(وتصح) الجمعة (فيما قارب البنيان من الصحراء، ولو بلا عذر) فلا يشترط لها البنيان؛ لقول كعب بن مالك: "أسعدُ بن زرارة أولُ مَن جَمَّعَ بنَا في هَزَم النَّبيت من حَرَّة بني بَيَاضة في نقيعٍ، يقال له، نَقيع الخَضِمات. قال: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا" رواه أبو داود، والدارقطني. قال البيهقي: حسن الإسناد صحيح. قال الخطابي: حَرَّة بني بياضة على ميل من المدينة. وقياسًا على الجامع. لكن قال ابن عقيل: إذا صلى في الصحراء استخلف من يصلي بالضعفة. و(لا) تصح الجمعة (فيما بَعُد) عن البنيان، لشبههم إذن بالمسافرين] اهـ.
وخالف فيما سَبَق المالكيةُ، حيث إنهم يشترطون في صحة الجمعة كونها في الجامع خاصة، لا في فِنَاءٍ أو ما شابهه، ومعنى الجامعية المشروطة هنا -كما حَقَّقه الدُّسُوقي في "حاشيته على الشرح الكبير" (1/ 374، ط. دار الفكر)-: مجرد التعيين والتحبيس للصلاة فيه.
وفَرَّعوا على ذلك: أنَّه لا تقام جمعتان في مِصْرٍ واحدٍ إلَّا في المسجد الجامع ولو تَعدَّدت، فالصلاة تكون صحيحة لأقْدَم الجامِعَين، وفي ذلك يقول أبو عبد الله الخَرَشي في "شرحه على المختصر" (2/ 74، ط. دار الفكر): [والجمعة للعتيق (ش) جواب عن سؤال مُقَدَّر، كأن قائلًا قال له: قد شَرطتَ في الجامع أن يكون مُتحِدًا فما الحكم إذا تعدَّد؟ فأجاب بأنها عند التَّعدُّد في البَلَد الواحد أو ما في حكمه صحيحة لأهل الجامع العتيق مِن تلك الجوامع، باطلة لأهل الجديد] اهـ.
لكن عموم الآية الواردة في صلاة الجمعة يدل على مذهب الجمهور؛ إذ ورد فيها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، فلا وجه لخصوص المسجدية فيها.
ويُدَلِّل على ذلك أيضًا: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: إنَّ أوَّلَ جُمُعةٍ جُمِّعت بعدَ جُمُعةٍ في مسجدِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم في مسجدِ عبدِ القَيسِ بجُواثَى مِن البَحرين. رواه البخاري في "الصحيح". و"جُوَاثَى" -بضم أَوَّله وفتح الـمُثَلثَّة-: قريةٌ من قُرَى البَحرينِ.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا: "أَنَّهُمْ كَتَبُوا إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْجُمُعَةِ؟ فَكَتَبَ: جَمِّعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ". رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه".
فالحديثان يدلان على جواز إقامة الجمعة في غير المسجد الجامع، قال العَلَّامة زين الدين ابن رجب في "فتح الباري" (8/ 138، ط. مكتبة الغرباء) عند شرح حديث مسجد عبد القيس: [والمقصود: أنهم جَمَّعوا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قرية جواثاء، وإنما وقع ذلك منهم بإذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره لهم... فيدل ذلك على جواز إقامة الجمعة بالقُرَى، وأنه لا يشترط لإقامة الجمعة الـمِصْر الجامع] اهـ.
وقال الإمام ابن المنذر في "الإشراف" (2/ 119، ط. مكتبة مكة الثقافية): [وقد روينا عن عطاء أنه قيل له: أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر؟ قال: لكل قوم مسجد يجتمعون فيه، ويجزئ ذلك عنهم من التجميع في المسجد الأكبر] اهـ.
وقال الإمام سراج الدين البلقيني في فتاويه المسماة بـ "التَّجَرُّد والاهتمام بجمع فتاوى شيخ الإسلام" (1/ 246، ط. أروقة) مُعلِّقًا على هذا الأثر عن سيدنا عمر: [وهذا ظاهرٌ في جواز التعدد] اهـ، ثم عَدَّد أوجه جواز الـجُمَع في غير المسجد الجامع.
وجواز الجُمَع على هذا النحو مروي أيضًا عن عدد من السلف، فعن ابن جريج، أنَّه قال: قلت لعطاء: أرأيت أهل البصرة لا يَسَعهم المسجد الأكبر كيف يصنعون؟ قال: "لكل قوم مسجد يجمعون فيه، ثم يجزئ ذلك عنهم" أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه".
وروي عن عمرو بن دينار قال: "إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ يُجَمَّعُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلْتُصَلَّ فِيهِ الْجُمُعَةُ" رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه". وأَمَّا ما ورد عن الأئمة الفقهاء مِن منع تَعدُّد الجمعة، فإنَّ ذلك كان لمعنى خوف تَفَرُّق الكلمة على الخلفاء، وقد زال هذا المعنى، كما قَرَّره الإمام السراج البُلْقِيني في "فتاويه" (1/ 247).
ما أفضل الليالي التي يستحب إحياؤها بالعبادة وفعل الخيرات؟
ما أفضل الليالي التي يستحب إحياؤها بالعبادة وفعل الخيرات؟ سؤال أجابت عنه دار الإفتاء المصرية.
وقالت الإفتاء: المراد في الشريعة الإسلامية بإحياء الليلة هو قيامها وطاعة الله فيها؛ وقد نصَّ كثير من العلماء على أنَّ هناك بعض الليالي على مدار العام يُندب للمسلم قيامها وتخصيص الله تعالى لبعض تلك الليالي والأيام بمزيد فضل وبركة؛ تشجيعًا للناس على الطاعة، ورغبة في إيصال الرحمة والثواب إليهم.
وتابعت عبر صفحتها الرسمية على فيس بوك: وهذه الليالي، هي: ليلة القدر، وليلة عيد الفطر، وليلة عيد الأضحى، وليالي العشر من ذي الحجة، وليالي العشر الأواخر من رمضان، وليلة النصف من شعبان، وليلة عرفة، وليلة الجمعة، وأول ليلة من رجب.
أفضل الأعمال فى شعبان
قال خالد عمران، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن فضل شهر شعبان: “رسول الله كان يكثر فيه الصيام، لكونه من الأشهر الحرم”، متابعا: “نحن الآن في أفضل مواسم الخير والتقرب من الله”.
وشدد خالد عمران، على ضرورة استغلال تلك الأشهر والتقرب فيها من الله عز وجل والإحسان وصلة الرحم، متابعا: “رسول الله كان يكثر من الصيام في شهر شعبان، خاصة في النصف الأول من شعبان”.
وأضاف: “يجوز أن يجمع الفرد بين النيتين في صيام شهر شعبان، قضاء وتقرب من الله عز وجل”.
5 أعمال مستحبة في شهر شعبان
قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن شهر شعبان شهر مبارك، ففيه ترفع الأعمال إلى الله تعالى، وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يكثر من الصيام في شهر شعبان حتى سأله الصحابي الجليل أسامة بن زيد فقال: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» [أحمد].
وأوضح جمعة، عبر “فيسبوك”: “نستعد لاستقبال شهر رمضان بعدة أمور منها: تنظيم اليوم والرجوع إلى تقسيمه إلى يوم وليلة، ومنها: التدريب على الصيام، والتلاوة، والقيام، والذكر، والدعاء وغير ذلك من العبادات والطاعات”.
وأضاف: “لعل اتباع هدي النبي (صلى الله عليه وسلم) بالإكثار من الصيام في شهر شعبان ييسر على المسلم مهمة الصيام في شهر رمضان ولا يشعر بعناء في تلك العبادة العظيمة، وذلك لأن شعبان شهر يتناسب في المناخ وطول النهار وقصره مع شهر رمضان لأنه الشهر الذي يسبقه مباشرة، فالتعود على الصوم فيه ييسر على المسلم ذلك”.
وأكمل جمعة: “أمر آخر للاستعداد لاستقبال الشهر المعظم، وهو القرآن الكريم ومدارسته وتلاوته ومحاولة ختم المصحف في شهر شعبان، وذلك لتيسير قراءته وختمه في شهر رمضان، فقراءة القرآن عبادة نيرة، تعين المسلم على باقي العبادات في شهر رمضان وغيره، وهي تنير قلب المسلم وتشرح صدره، فلا ينبغي للمسلم أن يتركها ولا يقصرها على رمضان، إلا أنه يزيد منها فيه لاستغلال هذه الدفعة الإيمانية والنفحة الربانية”.
وتابع: "ولا ننسى أن نذكر بأهم ما يعين على ذلك كله ألا وهو ذكر الله عز وجل، وقد ورد الحث على الذكر في كتاب الله وسنة النبي (صلى الله عليه وسلم)، فمن القرآن قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} وقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ، ويقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نصيحة عامة: «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ». [أحمد].
واختتم مفتي الجمهورية السابق: “بذكر الله يعين المؤمن على كل ما أراد أن يقبل به على ربه عز وجل، ولا ننسى أن نؤكد أهمية الإعداد والاستعداد لهذا الشهر الفضيل، وأن ترك هذا الإعداد يعد من النفاق العملي، لكن من أراد تحصيل شيء استعد له، ومن أراد النجاح ذاكر، فمن أراد أن يغتنم هذا الشهر الفضيل أحسن الاستعداد له، ولقد ذم الله أقواما زعموا أنهم أرادوا أمرا ولكنهم ما أعدوا الله فقال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ}. نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء ورزقنا الله حسن الاستعداد لاستقبال رمضان وكل عام وأنتم بخير”.
حكم صلاة الجمعة في مكان يفرض رسوما للدخول فيه.. الإفتاء تجيب
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا مضمون: هناك معرض بداخله مسجدا تقام فيه صلاة الجمعة، إلا أنه يشترط للدخول في هذا المعرض دفع رسم مقرر بحيث لا يسمح بدخوله لمن لم يدفعه. فهل ذلك مخل بصحة صلاة الجمعة في هذا المسجد؟
وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: أداء صلاة الجمعة في هذا المسجد جائز شرعًا؛ لعدم منع أحد ممن بداخل المعرض من الدخول فيه لأداء الجمعة، وكذا ممن هو خارج المعرض؛ لإمكانه الدخول بدفع الرسم المقرر الذي لم يشرط للدخول للصلاة بل للدخول في المعرض، على أنه يمكنه أداء الجمعة في مسجد آخر من المساجد التي تقام فيها الجمعة، فلا تفوته بعدم الدخول إلى المعرض، وقد تقرر أن الجمعة إذا كانت تقام في مساجد متعددة بمصرٍ واحدٍ فلا ينبغي أن تكون محل نزاع.
شروط صحة صلاة الجمعة
وأوضحت الإفتاء أن من شروط صحة الجمعة عند الحنفية: أن يقيمها السلطان أو من يأمره بإقامتها؛ لأنها لا تقام إلا بجمع عظيم، وقد تقع المنازعة بل المقاتلة بين الناس من أجل التقدم لإقامتها؛ لأنه يعد شرفًا ورفعةً، فيتسارع إليه كل من مالت همته إلى الرياسة، فيقع التجاذب والتنازع، وقد يؤدي إلى التقاتل، وفيه ما فيه من الفتنة والفوضى والإفضاء إلى تفويتها، ولا سبيل إلى حسم ذلك إلا بأن يكون التقدم إليها بأمر السلطان الذي تعتقد طاعته وتخشى عقوبته، فكان هذا شرطًا لا بد منه؛ تتميمًا لأمر هذا الفرض، وإليه ذهب الحسن البصري والأوزاعي وحبيب بن أبي ثابت، وجرى عليه العمل في الديار المصرية منذ قرون إلى الآن.
وذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم اشتراطه؛ كما نقله ابن قدامة في "المغني"، ولما كان اشتراط إقامتها بالسلطان أو نائبه إنما هو للتحرز عن تفويتها، وهذا لا يحصل إلا بالإذن العام؛ شرط الحنفية لصحتها الإذن العام من مقيمها، وهو أن يأذن للناس إذنا عامًّا بدخول الموضع الذي تُصلَّي فيه بحيث لا يمنع أحد من دخوله ممن تصح منه الجمعة؛ ولذا قالوا: لو أغلق الإمام باب قصره وصلى بأصحابه الجمعة لم يجز؛ لأنها من شعائر الإسلام وخصائص الدين؛ فتجب إقامتها على سبيل الاشتهار ليجتمع الناس لها ولا تفوت على أحد؛ قال في "الكافي": [والإذن العام وهو أن تفتح أبواب الجامع ويؤذن للناس، حتى لو اجتمعت جماعة في الجامع وأغلقوا الأبواب وجمعوا لم يجز، وكذا السلطان إذا أراد أن يصلي بحشمه في داره؛ فإن فتح بابها وأذن للناس إذنًا عامًّا جازت صلاته؛ شهدتها العامة أو لا، وإن لم يفتح أبواب داره وأغلقها وأجلس البوابين ليمنعوا الناس من الدخول لم يجز؛ لأن اشتراط السلطان للتحرز عن تفويتها، وهذا لا يحصل إلا بالإذن العام] اهـ -بواسطة: "رد المحتار" (2/ 152)-.
قال العلامة ابن عابدين -في حاشيته "رد المحتار" (2/ 152)-: [وينبغي أن يكون محل النزاع ما إذا كانت لا تقام إلا في محل واحد، أما لو تعددت فلا؛ لأنه لا يتحقق التفويت كما أفاده التعليل] اهـ. وهو -أي التعليل- قوله: [لأن اشتراط السلطان.. إلخ. وهذا الشرط لم يشترطه الأئمة الثلاثة، ولم يذكر في كتب ظاهر الرواية عند الحنفية، وإنما ذكر في كثير من معتبرات كتبهم كـ"الكنز" و"الوقاية" و"الملتقى"، وعلله في "البدائع" بأن الله تعالى شرع النداء لصلاة الجمعة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]، والنداء للاشتهار وكذا تسمى جمعة؛ لاجتماع الجماعات فيها، فاقتضى أن تكون الجماعات كلها مأذونين بالحضور؛ تحقيقا لمعنى الاسم] اهـ ملخصًا من "رد المحتار" (2/ 151).
ومن هذا: يعلم أن أداء صلاة الجمعة في هذا المسجد جائز على جميع المذاهب الأربعة، أمَّا على المذاهب الثلاثة فظاهر؛ لعدم اشتراط الإذن العام، وأما على مذهب الحنفية؛ فلأن الإذن العام متحقق فيه؛ لعدم منع أحد ممن بداخل المعرض من الدخول فيه لأداء الجمعة، وكذا ممن هو خارج المعرض؛ لإمكانه الدخول بدفع الرسم المقرر الذي لم يشرط للدخول للصلاة بل للدخول في المعرض، وهو بمثابة غلق باب القلعة التي بداخلها المسجد لعادة قديمة؛ كما ذكر في "شرح الدر"، على أنه يمكنه أداء الجمعة في مسجد آخر من المساجد التي تقام فيها الجمعة؛ فلا تفوته بعدم الدخول إلى المعرض، وقد علمت مما حرره ابن عابدين أن الجمعة إذا كانت تقام في مساجد متعددة بمصر لا ينبغي أن تكون محل نزاع.


