قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب: توازن الرحمة والأمان في الشارع

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

بات التعامل مع ملف تزايد أعداد الحيوانات الضالة في الشارع ضرورة تفرضها مقتضيات الواقع المعاصر، وهو ما تجسد مؤخراً في التوجهات الحكومية لبلورة استراتيجية شاملة تنهي حالة العشوائية في هذا الملف. إن التحرك نحو وضع ركائز مؤسسية لمعالجة هذه الظاهرة ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو استجابة لمطلب مجتمعي ملح، يهدف إلى صياغة معادلة دقيقة تجمع بين تأمين الشارع المصري وبين المنهج الحضاري القائم على الرفق بالحيوان.

​وتنطلق دوافع هذه الخطوة من حقائق علمية تحذر من أن التكاثر غير المنضبط لتلك الكائنات يمثل معضلة بيئية وصحية تتجاوز حدود الإزعاج؛ فالمجموعات التي تفتقر للرعاية البيطرية تتحول إلى بؤر لنقل الأمراض المشتركة، وفي مقدمتها داء "السعار" الفتاك في حالة عقر الحيوان للإنسان. كما أن الانفجار العددي في غياب آليات التحكم يرفع من وتيرة السلوك العدائي للحيوان نتيجة التنافس على الغذاء، مما يهدد السكينة العامة داخل الأحياء المأهولة.

​ولا يتوقف أثر هذه القضية عند التجمعات السكنية، بل يمتد ليطال قطاعات حيوية كالسياحة، خاصة في المناطق الأثرية المفتوحة والمقاصد الصحراوية؛ إذ إن وجود مجموعات غير محصنة بمحيط المعالم التاريخية يربك انسيابية حركة الزوار، وقد يخلق انطباعات سلبية تخدش الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري. لذا، فإن فرض الرقابة الصحية على تلك النطاقات يعد إجراءً حتمياً لصون هيبة التراث وضمان سلامة الوافدين.

​وفي هذا الإطار، تأتي الأرقام التنفيذية لعام 2025 كخطوة عملية نحو الحل؛ إذ شملت تحصين قرابة 121 ألف حيوان وتعقيم آلاف أخرى، وهو مسار يعتمد المعايير العالمية الأنجح لتقليص الأعداد تدريجياً. وبجانب ذلك، يبرز التوجه نحو تدشين مراكز إيواء نموذجية خارج الكتل السكانية، مع توفير لوجستيات نقل آمنة تضمن كرامة الكائن الحي وتؤمن المحيط المجتمعي، بعيداً عن الحلول التقليدية غير المجدية.

​ختاماً، فإنني أرى أن استثمار هذه الأزمة يتطلب آفاقاً تتجاوز مجرد الاحتواء الأمني أو البيطري؛ فمن منظور استراتيجي، يمكننا تحويل هذا العبء إلى قيمة مضافة عبر فتح قنوات تعاون مع المؤسسات البحثية الدولية لتبادل السلالات المطلوبة لأغراض البحث العلمي وفق أقصى ضوابط الرفق العالمية.

​وأخيراً، فإن "أنسنة الحل" تعد من وجهة نظري هي جوهر الحل، عبر تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني لتقود تحولاً ثقافياً لا يتوقف عند حدود الشعارات؛ إذ أتطلع إلى رؤية حملات توعوية مكثفة تجوب المدارس، ومراكز الشباب، وقصور الثقافة في القرى والمدن، بحيث يكون الهدف من وراء هذه الندوات هو تكريس مفهوم فن "التعايش الآمن" من خلال احترام وجود الحيوان في الشارع وعدم استفزازه أو مضايقته، ليكون بمثابة الضمان الأمثل لعدم تقويض جهود الدولة. فما الفائدة من تطعيم وتعقيم الحيوان إذا كنا سندفعه بسلوكنا العدواني إلى استعادة غريزة الدفاع عن النفس؟ إن استدامة الحل تبدأ من جيل يقدر توازنات البيئة ويحترم حق الروح؛ فرقي الأوطان ـ في تقديري ـ لا يقاس فقط بحزم الإجراءات، بل بقدرة المجتمع على حماية ما أنجزته الدولة من خلال وعي شعبي يحفظ النفس ويصون الروح بمسؤولية واتزان.