شهدت قاعة «كاتب وكتاب» ببلازا 1، ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة لمناقشة كتاب «عبد الرزاق قرنح.. إطلالة على عالمه ورواية ما بعد الاستعمار» للدكتور صبري حافظ، وشارك في مناقشة الكتاب كلٌّ من الناقد الدكتور سمير مندي، والدكتور سيد ضيف الله، أستاذ النقد الأدبي المساعد بقسم النقد الأدبي بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، وأدار الندوة الكاتب عزت القمحاوي، بحضور الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي للمعرض، والدكتور خالد أبو الليل، القائم بأعمال رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب.
في البداية، رحّب عزت القمحاوي بالضيوف، معربًا عن سعادته بإدارة هذه الندوة، ومشيدًا بفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، كما قدّم كتاب الدكتور صبري حافظ، وعبّر عن امتنانه لوجوده في حياته منذ صغره.
وأكّد أن الدكتور صبري حافظ قامة ثقافية كبيرة، كتب كتابين عن طه حسين، وهو في طريقه لإصدار كتاب عن يحيى حقي، وكان محظوظًا بمعاصرته لكبار الكتّاب.
وأشار إلى انتقاله إلى الغرب بعد إتقانه كل ما يتعلق بالثقافة العربية، دون أن تُبهِره المناخات الغربية أو ينجرف في كتاباته إلى التيارات الفكرية السائدة هناك، إذ ينطلق دائمًا في كتاباته من الإحساس بالواجب، فيرصد مواضع النقص ويحاول وضع يده عليها.
وأوضح القمحاوي أن الكتاب يتجاوز كونه مجرد إطلالة على عالم عبد الرزاق قرنح، إذ تتعدد داخله أشكال الاهتمام والانشغالات السياسية والثقافية، إلى جانب تناوله لفكرة الهجرة إلى الغرب، كما أن الكتاب ينسجم مع كتابات قرنح.
من جانبه، قال الدكتور سمير مندي: «يسعدني أن ألتقي بالدكتور صبري حافظ للمرة الثانية على التوالي في معرض الكتاب، وفي هذه المرة لمناقشة كتاب مهم».
وأشار إلى أهمية الكتاب على مستوى الترجمة والتحرير، مؤكدًا أنه الأول من نوعه في المكتبة العربية الذي يتناول عالم عبد الرزاق قرنح. ولفت إلى أن حافظ قام بتحرير روايتي «الفردوس» و«حيوات تالية» لقرنح، وترجمتهما إلى العربية، كما أجرى مقاربات متعددة في شتى الجوانب، من خلال اختيار مقاطع دالة من الروايتين، وعقد مقارنات بين عوالمهما.
وأضاف أن القارئ سيخرج من هذا الكتاب وهو يمتلك معرفة شبه كاملة بعالم قرنح، من خلال رؤية ما بعد الاستعمار، والتحليلات والاستنادات المتعددة التي قدّمها المؤلف. وهنّأ الدكتور صبري حافظ على هذا الجهد الكبير، مؤكدًا أن الكتاب استوفى تحليلات متنوعة ومقاربات مختلفة للروايات، رغم اعتقاده أن عالم قرنح يتجاوز هذا الإطار، ويحلق في فضاء أوسع من كونه مجرد «أدب ما بعد الاستعمار»، إذ إن الحبكة الروائية في كتاباته أكبر من هذا التصنيف، كما أن هناك واقعًا حاضرًا في الروايتين، يتضمن شكلًا من أشكال الاستعمار الوطني.
بدوره، أعرب الدكتور سيد ضيف الله عن سعادته بالمشاركة في مناقشة كتاب للدكتور صبري حافظ، صاحب التجربة النقدية الثرية، رغم أن دراسته الأولى كانت بعيدة عن مجال النقد، قبل انتقاله لدراسة النقد بأكاديمية الفنون (ماجستير)، ثم بجامعة لندن (دكتوراه).
وأكّد أن منجز صبري حافظ كبير ومؤثر، خاصة في مجالي النقد الثقافي والدراسات الثقافية، وهو ما يضفي على الكتاب خصوصية واضحة.
وأشار إلى أن حافظ يعترف في هذا الكتاب بأنه لم يقرأ لعبد الرزاق قرنح سوى رواية واحدة هي «الفردوس»، وتكتمل المفارقة في أنه، بعد فوز قرنح بجائزة نوبل، قدّم تجربة نقدية فردية عنه، تناول فيها روايتين بشكل نقدي.
وأوضح أن الكتاب يتجاوز كونه مجرد تلخيص، ليصبح بمثابة تأويل نقدي للروايتين في إطار أدب ما بعد الاستعمار، من خلال رصد عادات الحكي وأهم القضايا المطروحة داخلهما.
وأضاف أن هذه المفارقة كشفت عن وعي حافظ بجائزة نوبل وأسباب فوز قرنح بها، إلى جانب تأكيد أصوله العربية، خاصة بعد فوز نجيب محفوظ، في سياق الوعي بالهوية، سواء هوية الفائز أو هوية الجائزة.
واعتبر الكتاب عملًا نقديًا لكاتب ينتمي لأدب ما بعد الاستعمار، ويظهر فيه انحياز واضح لعالم قرنح وما قدّمه في هذا المجال، مشيرًا إلى أن صبري حافظ وضع يده على أسباب فوز قرنح بجائزة نوبل للآداب عام 2021.
وتابع الدكتور سيد ضيف الله أن حافظ طرح قضايا متعددة تتعلق بأدب ما بعد الاستعمار، ونجح في تمكين الشخصيات داخل النصوص، والتعامل مع سلطة السرد في الأدب، مدركًا أهمية ضمير الراوي من الناحية الجمالية، سواء في أدب الاستعمار الحقيقي أو المدّعى.
كما أدرك أهمية المعرفة والفلسفة والقراءة العميقة كمدخل أساسي لكتابة الرواية وتحليلها نقديًا استنادًا إلى مبادئ واضحة.
وأضاف أن صبري حافظ التقط القاسم المشترك بينه وبين قرنح، من خلال التركيز على الخصوصية المحلية، مستندًا إلى رؤية نقدية خاصة، واصفًا إياه بالناقد «المشاكس» الذي استطاع أن يقدّم قراءة مغايرة ومتماسكة.
ومن جهته، أعرب الدكتور صبري حافظ عن سعادته بمناقشة كتابه ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ووجّه الشكر لمنصة الندوة على كلماتهم الراقية. وأوضح أنه حرص على وضع كل شيء في سياقه الصحيح، وقدّم الروايتين بطريقة أتاحت له الانتقال لاحقًا إلى الجزء التحليلي، الذي حاول من خلاله طرح العالم الروائي لعبد الرزاق قرنح، مستعينًا بخلفيته الأكاديمية، وبخاصة رسالة الدكتوراه لإدوارد سعيد.
وأكّد أن خلفياته ودراسته كانت حاضرة بوضوح في هذا العمل، مشيرًا إلى أنه حاول إلى حد كبير توظيف ذلك في الكتاب، وأن تعدد القراءات خلال الندوة جعله يشعر بأنه نجح، إلى حدٍّ ما، في تقديم عالم قرنح، الذي تناول تجربة الاستعمار الألماني في شرق أفريقيا، وما خلّفته من تفكك بعد الحرب العالمية الأولى، كما قدّمت كتاباته الاستعمار بوجهه الحقيقي دون تجميل.
وفي ختام الندوة، دار نقاش مفتوح مع الحضور، تخللته مداخلات وتساؤلات حول عالم عبد الرزاق قرنح ورؤيته السردية لأدب ما بعد الاستعمار، أجاب عنها الدكتور صبري حافظ، مؤكدًا أهمية إعادة قراءة التجارب الأدبية العالمية من منظور نقدي عربي، ومشيرًا إلى أن مثل هذه الحوارات تسهم في تعميق الوعي بالهوية والسرد والتاريخ، وتفتح آفاقًا جديدة للتفاعل مع الأدب العالمي داخل المشهد الثقافي العربي.