استضافت قاعة «ضيف الشرف»، ضمن قعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة بعنوان «الأدب المصري في مرآة الاستشراق الأذربيجاني» تحت محور «تجارب ثقافية».
حيث تناولت الندوة بالقراءة والتحليل كتاب «الأدب المسرحي عند أحمد شوقي» للمؤلفة الأذربيجانية نيجار باكيخانوفا.
وشارك في الندوة سكرتير ثان بالسفارة الأذربيجانية نائباً عن السفير إلخان بولوخوف، سفير أذربيجان بالقاهرة، والدكتور أحمد عبده طرابيك الخبير في شؤون دول الاتحاد السوفيتي سابقاً، والدكتور سيمور نصيروف رئيس الجالية الأذربيجانية في مصر والأستاذ بكلية الآداب جامعة القاهرة، بينما أدار اللقاء الدكتور محمد نصر الدين الجبالي، أستاذ الأدب الروسي ومترجم الكتاب.
واستهل الدكتور سيمور نصيروف حديثه قائلًا: «أثناء بحثي عن أذربيجان وأدباء أذربيجان، وجدت مئات العلماء الأذربيجانيين ألفوا شعرًا أيضًا بالعربي، وساهموا مساهمات فعالة في خدمة اللغة العربية وفي الأدب العربي.
أما فيما يتعلق بموضوعنا عن الدكتورة نيجار باكيخانوفا: أنا أشكر محمد الجبالي أنه قام بترجمة هذا الكتاب، وأشكر السفارة كذلك أنها دعمت هذا، لأنزي حينما قرأت سيرتها الذاتية تأثرت لأنها كانت شابة وفي ريعان شبابها انتقلت إلى رحمة الله، مع أن أذربيجان عاشت في حقبة الاتحاد السوفيتي، وكان كل شيء ما يتعلق بالإسلام ممنوع، فكانت الشيوعية تحارب الدين، ليس فحسب المسلمون فقط، حتى غير المسلمين عانوا معاناة شديدة من النظام الشيوعي السوفيتي.
وأضاف :«اللغة العربية دائمًا مرتبطة بالإسلام، وكان ليس من السهل على أي واحد يدرس اللغة العربية، لكن وجدنا النخبة الأذربيجانية تمسكوا باللغة العربية في أصعب ظروفها، فقد كانت هناك قيود موجودة، ورغم هذا فالأذربيجاني لم يترك أبدًا اللغة العربية، ودائمًا يعتبرون أنفسهم هم جزء من الشرق، وإلى يومنا هذا نحن نفتخر بصداقتنا وبانتمائنا إلى الشرق».
وتابع الدكتور «سيمور» موضحًا ظهور علماء كبار في أيام السوفييت متمسكين باللغة العربية، مثل واسم محمد علييف، وضياء بونيادوف، وعايدة إمام قوليفا التي كانت مشرفة على هذه الرسالة ولها فضل كبير ومؤلفات كثيرة كتبت في الأدب العربي عن خليل جبران، مؤكدًا على أن أذربيجان لم تترك أبدًا اللغة العربية ويفتخرون بعلاقاتهم بالدول العربية ويحبون اللغة العربية ويؤلفون بها الآن .
ورداً على تساؤل حول انتشار اللغة العربية في المدارس، أكد الدكتور سيمور، أن هناك عدة جامعات في أذربيجان تقوم بتدريس اللغة العربية تحت مسمى «كليات الاستشراق»، وهناك اهتمام بالغ من الدولة ومراكز تقوم بالتدريس حالياً لوجود حاجة ماسة للمتحدثين بالعربية مع زيادة السياح العرب ورحلات الطيران المباشرة بين القاهرة وباكو، مشيرا إلى دور الأزهر الشريف كمنارة للعلم، والعمل حالياً على توقيع بروتوكول تعاون بين الأزهر الشريف ومعهد العلوم الدينية في أذربيجان من خلال التواصل مع السفارة والجامعة.
وأضاف الدكتور سيمور ، أن الدراسات الشرقية في أذربيجان موجودة منذ الثلاثينيات، كما أشار إلى ترجمات معاني القرآن الكريم، موضحاً أن ضياء بونيادوف وواسم محمد علييف قاما بأفضل ترجمة إلى الأذربيجانية، كما توجد ترجمات باللغة الروسية قام بها كوليف ذو الأصول الأذربيجانية.
من جانبه، تحدث الدكتور أحمد عبد التواب قائلاً: «لدينا اليوم كتاب هو في غاية الأهمية، والترجمة الأدبية بالتحديد تكمن صعوبتها وأهميتها في نقل مشاعر الكاتب في اللغة الأصلية إلى اللغة الأخرى، وقد وفق الدكتور محمد الجبالي في هذا الصدد أيما توفيق.
وتابع: «هذا الكتاب، يعد بمثابة الحنين إلى الوطن، لمؤلفته الدكتورة نيجار باكيخانوفا، يتناول ظاهرة أدبية هامة جداً، وهي أدب المهجر، وأن الحديث عن أدب المهجر في أذربيجان له شجون، لأن أذربيجان بلد الثقافة، بلد الشعر، بلد الأدب، وهي حلقة الوصل دائماً ما بين الشرق والغرب، وكانت جسراً دائماً لانتقال الثقافات.
ولفت إلى أنه عندما نتحدث عن الأدب الأذربيجاني، فنحن نتحدث عن أدب كتب باللغة العربية، وباللغة الفارسية، وباللغة التركية، وباللغة الروسية، وباللغة الأذربيجانية، وهذا التنوع الثقافي واللغوي أثرى الساحة الأذربيجانية بشكل كبير جداً، مؤكدا على أن الكتاب يتناول حياة وأدب جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وميخائيل نعيمة، هؤلاء الأعلام الذين شكلوا مدرسة المهجر في أمريكا الشمالية، والدكتورة نيجار، رغم صغر سنها، استطاعت أن تنفذ إلى جوهر فلسفة جبران، وجوهر فلسفة الرابطة القلمية، وتحدثت عن الاغتراب الروحي والمكاني وكيف استطاع هؤلاء الأدباء خلق وطن موازٍ في خيالهم يعوضهم عن فقدان الوطن الأم.
واستكمل الدكتور أحمد عبد التواب، حديثه عن الروابط التاريخية والدينية، مؤكداً أنهم يفضلون كلمة «مستعرب» لأنهم أبناء شرق، مشيراً إلى أن الزعيم الوطني حيدر علييف كان يعي أهمية استعادة الجذور والهوية الإسلامية التي دخلت أذربيجان منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب.
ولفت إلى المشرفة على الكتاب، البروفيسورة عايدة إمام قوليفا، والدة السيدة الأولى وحماة رئيس الجمهورية، والتي كانت علامة بارزة ولها مؤلفات عديدة عن أدب المهجر وخليل جبران واحتضنت الباحثة «نيجار باكيخانوفا».
وأوضح أن «نيجار» كانت تتحدث أربع لغات وجدها عباس باكيخانوف كان يتحدث باثنتي عشرة لغة، مما ينم عن عوامل وراثة وتراكم ثقافي في العائلة، حيث كانت والدتها طبيبة ووالدها يحمل لقب «فنان الشعب» وهو أعلى وسام فني في الاتحاد السوفيتي، وقد دمجت «نيجار» تخصصها في المسرح مع اللغة العربية لتناول مسرح أحمد شوقي.
وتحدث الدكتور محمد نصر الدين الجبالي، عن تجربته كمترجم للكتاب قائلاً: «أنا شخصياً كمترجم استفدت جداً من ترجمة الكتاب، لأن الكاتبة -رغم صغر سنها- على دراية كبيرة جداً بالتاريخ وبالفلسفة، اطلعت على العديد من المراجع واستخدمت مراجع ومصادر أصيلة في النقد العربي، وهذا ينم على أنها قارئة موسوعة فقد اطلعت على مراجع رصينة وواضح أنها تتقن اللغة العربية، ثم القراءات الروسية، وهناك أيضاً كتب بالألمانية والفرنسية.
وأشار إلى أنه اضطر في كثير من الأحيان إلى الخروج من الكتاب والاطلاع على المعاجم والمصادر التاريخية لمعرفة المعنى والسياق، واستفدت بشكل كبير بالمعلومات عن أذربيجان وعن علاقة أحمد شوقي بالفترة التي قضاها في أوروبا.
واستطرد: «أكثر شيء كان صعبا هو أن الكاتبة تترجم نصوصاً عربية إلى اللغة الروسية، وعندما أقوم برد هذه النصوص إلى اللغة العربية، لست في مهمة ترجمة فقط، لأنني لو ترجمتها سينتج نص مختلف عن الأصل، فكان يجب أن أرجع وأعثر على النص المسرحي الشعري الذي كتبه أحمد شوقي، والمشكلة كانت في الكتابات النقدية والمراجع التي تعود إلى الخمسينات، فكان العثور على أصول هذه المخطوطات في أصلها العربي تمثل مشكلة كبيرة لأنها أخذت وقتا في البحث بين الطبعات المختلفة.
وأكد الدكتور الجبالي ، أن الكاتبة تناولت أدب شوقي وكأنها تدافع عن أدب محلي خاص بها، وأنها استشعرت قوة وروعة إبداع شوقي في المسرح الشعري، وهو من أصعب الفنون التي لا يقدر عليها إلا قامات مثل شكسبير وجوته وبوشكين، موضحا أن شوقي كان معجزاً وملهماً للمستشرقين والكتاب في روسيا وآسيا الوسطى، كما أشار إلى أن مدرسة الاستعراب في القوقاز تتجاوز اللغة إلى دراسة الفلسفة والجغرافيا والتاريخ والدين وعلم المصريات، بهدف توطيد العلاقات ومد جسور التواصل، مؤكداً وجود سمات متشابهة بين الشعوب في القيم الأسرية والكرم والضيافة وتوقير المرأة.
وفي ختام الندوة، رحب الجبالي بالسيد إيمين يوسيف زاده، السكرتير الثاني للسفارة الأذربيجانية، مشيداً بمبادرة السفير إلخان بولوخوف لتقديم الصورة المضيئة لمدرسة الاستشراق الأذربيجانية وتقييمهم للأدب والشعر المصري.