ليست العمامةُ مجرّد غطاءٍ للرأس، ولا زينةً تُستعار من تراثٍ غابر لتُعلّق على جدران الذاكرة. إنّها اختصارٌ كثيف لعلاقة الإنسان بالمكان والزمان والوظيفة؛ قطعةُ قماشٍ صغيرةٌ في ظاهرها، واسعةُ الدلالة في باطنها، تُدار حول الرأس كما تُدار الأفكار حول القيم. ومنذ أن تعارف الناس على لفّها، لم تكن العمامة لباسًا فحسب، بل بيانًا صامتًا: هذا أنا، وهذا موقعي، وهذا المعنى الذي أحمله.
عرفتها الصحارى قبل المدن، لا لأن الرمل يحتاج إلى قماش، بل لأن الإنسان في العراء يحتاج إلى نظامٍ يحميه ويعرّفه. هناك، كانت العمامة عقدَ نجاة: تُخفّف وهج الشمس، وتكسر حدّة الريح، وتُعلن انتماء المرء إلى أفقٍ مفتوحٍ لا يرحم. ثم دخلت المدن فغيّرت نبرتها؛ صارت تُحدّث عن المهنة والمقام والذوق، وتحوّلت ألوانها إلى لغةٍ اجتماعية تُقرأ بلا حروف. هكذا ظلّت العمامة تمشي مع الإنسان حيث مشى، تتبدّل هيئاتها، ولا تتخلّى عن جوهرها: الوقار.
ولأن العرب جعلوا من البيان موطنهم، قرأوا العمامة قراءةً رمزية، فقالوا إنّها التاج الذي لا يُصاغ من ذهب، وإنّها رفعةٌ بلا صخب. لم تكن قيمة العمامة في مادتها، بل في ما تراكم حولها من دلالات؛ من مجالس الشورى، وحلقات الشعر، ومواسم التجارة، وأسفار الحج. كانت العمامة شاهدةً على وجوهٍ صنعت المعنى بهدوء، فصار الهدوء جزءًا من معناها.
وعندما دخلت العمامةُ حقلَ العلم والدين، لم تدخل بوصفها شعارًا، بل بوصفها عهدًا. هنا تحديدًا تتجلّى العمامة الأزهريّة مثالًا بليغًا على كيف يمكن للزيّ أن يتحوّل إلى “منهجٍ مرئي”. فالعمامة في الأزهر الشريف ليست مجرد تقليدٍ شكلي، بل نظامُ دلالةٍ مركّب: بياضٌ يغلب، يرمز إلى صفاء القصد وشفافية الخطاب؛ وحمرةٌ غير خالصة تتوسّط البياض، تُقرأ في تراث الفن الإسلامي علامةً على البهجة والإنسانية، لا على الترف أو الغلبة؛ وزرٌّ أسود صغير، يُحيل إلى السؤدد لا بمعناه السلطوي، بل بمعناه الأخلاقي: سيادة العلم على الهوى. هكذا تُعلّم العمامة الأزهريّة صاحبها قبل غيره أن العلم فرحٌ مسؤول، وأن الوقار لا يناقض البِشر، وأن الهيبة لا تُبنى على العبوس.
والفرق بين عمامة العالِم وعمامة القارئ، في هذا السياق، ليس تفضيلًا ولا تراتبيةً أخلاقية، بل تمييزُ وظيفة: حجمٌ أدق، ولفٌّ أوفى، وشالٌ أتمّ، كأن الزيّ يُترجم طبيعة الدور. فالعمامة هنا لا تقول “أنا أفضل”، بل تقول “أنا مُكلَّف”: تكليفٌ بالبيان، وبالتوازن بين النصّ والناس، وبين الجدية واليسر. ومن هنا صارت العمامة الأزهريّة علامةً عالمية؛ إذا سافر صاحبها عُرف بزيّه قبل اسمه، لأن الزيّ حَمَلَ تاريخًا من الاعتدال.
غير أنّ العمامة لا تختصّ بثقافةٍ واحدة؛ ففي الهند، تُصبح رمزَ شرفٍ يُهدى للضيف؛ وفي ثقافة السيخ، تتحوّل إلى ميثاقٍ روحي يحفظ الشعر ويعلن الالتزام؛ وعند الطوارق، تصير هويةً كاملة تُخفي الوجه وتكشف الانتماء. تعدّدُ الوجوه هذا لا ينقض وحدة المعنى، بل يؤكّدها: العمامة، أينما حلّت، قالت إنّ الجسد يحتاج إلى رمزٍ يعلوه، وإنّ الرأس - موضع العقل - يستحقّ نظامًا يُذكّره بمسؤوليته.
ولعلّ أجمل ما في العمامة أنّها تُدرّب صاحبها على الصبر؛ فلفّها يحتاج يدًا هادئة، ولا يستقيم إلا بالتكرار. كأنها تهمس: الوقار يُصنع، ولا يُشترى. ومن هنا نفهم لماذا بقيت العمامة حيّة، ولم تُختزل إلى أثرٍ متحفي؛ لأنها عاشت مع الناس، لا فوقهم، وتغيّرت دون أن تفقد روحها.
في الخلاصة، العمامة ليست قماشًا يُدار حول الرأس، بل معنى يُدار حول الإنسان. فإن صارت وعدًا بالعدل والرحمة والصدق، كانت تاجًا حقيقيًا؛ وإن انفصلت عن أخلاقها، لم يبقَ منها سوى قماشٍ بلا ذاكرة. وبين هذين الحدّين، تظلّ العمامة الأزهريّة شاهدًا على أن الزيّ، حين يُحسن حمل المعنى، يمكن أن يكون درسًا يُرى قبل أن يُقال.