قال مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية إن من المسائل التي استقر فيها قولُ المحققين من علماء الأمة سلفًا وخلفًا: القول بنجاة أبوي سيدنا النبي ﷺ، وأنهما ليسا من أهل النار، وهو ما انعقدت عليه كلمةُ المذاهب الإسلامية المتبوعة، وجرى عليه علماءُ الأزهر الشريف عبر العصور.
وقد أيَّد العلماء قولهم بنجاتهما بجملة من الأدلة والبراهين، من أهمها:
▪️ أنهما من أهل الفترة؛ فقد انتقلا قبل البعثة النبوية، ومن مات ولم تبلغه الدعوة فهو ناجٍ؛ لقوله تعالى:
{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
▪️ وأنهما كانا على الحنيفية السمحة، دينِ سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ مستدلين بقوله تعالى:
{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219]،
وبقوله ﷺ: «لم يزلِ الله ينقلني من الأصلاب الحسنة إلى الأرحام الطاهرة، مُصفّى مُهذّبًا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما» [ذكره السيوطي في الجامع الكبير].
▪️ وأن الله تعالى أكرم نبيَّه ﷺ بإحياء والديه له حتى آمنا به، وقد نصَّ جمع من الحفاظ على أن أحاديث الإحياء –وإن كان في أسانيدها ضعف– تتقوّى بمجموع طرقها، وتُروى في فضائل الأعمال.
▪️ وأن في إيمان والدي سيدنا النبي ﷺ ونجاتهما رضا له ﷺ، ومما يدل على ذلك ما أورده الإمام الطبري في تفسيره (24/487، ط. الرسالة) عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى:
{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5]،
قال: «من رضا محمد ﷺ ألا يدخل أحدٌ من أهل بيته النار».
▪️ كما صنف في إثبات نجاتهما جماعة من كبار الأئمة، في مقدمتهم الإمام الحافظ السيوطي، الذي أفرد في ذلك ست رسائل، علاوة على ما كتبه العلماء قبله وبعده؛ نصرةً لمقام النبي ﷺ وتنزيهًا لآبائه الكرام.
أما الأحاديث التي استدل بها البعض، وعلى رأسها رواية أنس رضي الله عنه: «إن أبي وأباك في النار»، فقد أكَّد أهل الحديث انفراد حماد بن سلمة بذكر هذا اللفظ، وقد خالفه معمر –وهو عند أئمة الحديث أضبط وأثبت– فرواه بلفظ: «إذا مررت بقبر كافر فبشِّره بالنار»، الأمر الذي يمنع الجزم بثبوت اللفظ الأول، لا سيما مع ما قيل في حفظ حماد؛ إذ تكلَّم بعض علماء الحديث في حفظه، وذكروا أن في حديثه مناكير؛ ولذا لم يُخرِّج له البخاري شيئًا، ولم يُخرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت، وبناءً على ذلك فإن رواية معمر أرجح وأثبت من رواية حماد.
ومما تجدر الإشارة إليه أن لفظ «الأب» قد يُستعمل في لسان العرب –وفي القرآن الكريم– ويراد به العم، كما في قوله تعالى:
{نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ} [البقرة: 133]، والعرب تسمي العم أبًا.
ويُحتمل كذلك أن يكون النبي ﷺ قال ذلك على وجه المواساة للرجل وجبر خاطره، بعد انصرافه وحزنه، تسليةً له وتخفيفًا عنه، ببيان أن من قرابته ﷺ من لم يؤمن به. وقد ذهب بعض العلماء أيضًا إلى أن هذه الروايات منسوخة بما ورد في حديث إحياء أبوي النبي ﷺ، وعلى ذلك فلا يصح اتخاذها مستندًا للطعن أو لمعارضة ما استقر عليه قول جمهور المحققين.
وإن مما يُؤلم كل مسلمٍ مُحبٍّ لسيدنا رسول الله ﷺ أن يتخذ بعض المغرضين الخوض في هذه الرواية وسيلةً لاستفزاز مشاعر المؤمنين، بالنيل من مقام والديه الكريمين ﷺ أو الإساءة إليهما؛ وسيدنا النبي ﷺ هو أبرُّ الناس بوالديه، وأشدُّهم حبًّا لهما.
كما حذَّر العلماء من إطلاق اللسان بغير أدب في هذا الباب، واستدلوا بقوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [الأحزاب: 57]،
وبقوله ﷺ: «لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء» [أخرجه الترمذي].
ومن ثمَّ، فإن إثارة هذه المسألة على وجه التشغيب أو التشفي، أو إعلان بغض والدي النبي ﷺ بغرض الظهور أو لأي غرض آخر، خروجٌ عن الأدب الشرعي المطلوب، بل هو مغامرة بالخروج عن مقتضى الإيمان بالرسول ﷺ وبرسالته، فضلًا عن كونه إيذاءً واعتداءً على مشاعر ما يقرب من ملياري مسلم، يُجلّون رسول الله ﷺ ويوقرون كل ما يتصل به.
وإن الواجب على المسلمين جميعًا أن يتحلَّوا بالأدب مع مقام النبوة، وأن يُمسكوا عما لا طائل منه إلا الفتنة، وأن يتركوا المسائل العلمية لأهلها من العلماء المتخصصين، وأن ينشغلوا بما يجمع الكلمة ويوحد الصف، لا بما يثير الشقاق والنزاع.
ونسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا حبًّا لنبيه الكريم ﷺ، وأن يرزقنا الأدب معه ومع آله وذريته وكل ما اتصل به، وأن يجنب أمتنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.