اندلع خلاف حاد بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل قطاع غزة وآلية إدارة مرحلة ما بعد الحرب، بعدما وجهت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كاجا كالاس، انتقادات مباشرة لمبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بتشكيل «مجلس السلام» للإشراف على غزة، معتبرة أنها تفتقر إلى المساءلة أمام الفلسطينيين أو الأمم المتحدة.
وجاءت التصريحات خلال مؤتمر ميونخ للأمن، حيث قالت كالاس إن القرار الصادر عن مجلس الأمن كان ينص على إنشاء مجلس للسلام خاص بغزة، محدد المدة حتى عام 2027، ويضمن مشاركة فلسطينية واضحة، ويرتبط صراحة بالأمم المتحدة. لكنها أكدت أن النظام الأساسي الجديد للمجلس، بصيغته التي تدفع بها واشنطن، لا يتضمن أي إشارة مباشرة إلى غزة أو إلى دور الأمم المتحدة، ما يعني – وفق تعبيرها – انحرافاً عن التفويض الأصلي.
وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس انضم إلى الانتقادات، مشيراً إلى أن أوروبا، بوصفها أحد أبرز ممولي السلطة الفلسطينية، جرى استبعادها من مسار صياغة المجلس، معتبراً أن هناك محاولة لتجاوز الإطار الأممي الذي أُقر سابقاً.
انتقادات أوروبية ومخاوف من غياب المساءلة
المواقف الأوروبية عكست قلقاً أوسع من أن تتحول آلية «مجلس السلام» إلى أداة تنفيذية بيد الإدارة الأمريكية، بعيداً عن الرقابة الدولية. وأعرب السيناتور الأمريكي الديمقراطي كريس ميرفي عن مخاوف من غياب الضوابط الكفيلة بمنع توجيه مليارات الدولارات المخصصة لإعادة الإعمار إلى جهات مقربة سياسياً من الإدارة الأمريكية.
ويمثل هذا السجال أول ظهور علني بهذا المستوى للخلافات بين ضفتي الأطلسي بشأن إدارة مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار في غزة، خاصة مع اقتراب موعد اجتماع «مجلس السلام» المرتقب في واشنطن الأسبوع المقبل.
في المقابل، دافع السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز عن المشروع، معتبراً أن الانتقادات الأوروبية تمثل «مبالغة في القلق»، وأن استمرار الوضع القائم، مع بقاء حركة حماس في موقع السيطرة داخل غزة، لا يمكن أن يستمر. وأكد أن إندونيسيا وافقت على إرسال ثمانية آلاف جندي للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية، مع توقع إعلان مساهمات إضافية قريباً.
وأضاف أن بعض الدول لا ترغب في تمرير أموال إعادة الإعمار عبر منظومة الأمم المتحدة، داعياً إلى ما وصفه بـ«إعادة الأمم المتحدة إلى أساسيات صنع السلام»، في إشارة إلى تقليص أدوارها البيروقراطية.
جدل حول وقف إطلاق النار ومستقبل الحل السياسي
من جانبه، حاول الممثل المعين من قبل الإدارة الأمريكية لشؤون غزة، نيكولاي ملادينوف، الابتعاد عن الجدل السياسي، والتركيز على الجوانب العملية. وأكد ضرورة التحرك السريع لتنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، محذراً من أن التأخير قد يعني الانتقال إلى «المرحلة الثانية من الحرب».
وشدد على أهمية تحسين تدفق المساعدات الإنسانية، ونزع سلاح الفصائل، وإنهاء الانقسام الإداري داخل غزة، معتبراً أن إعادة الإعمار تتطلب وجود لجنة تكنوقراطية تتولى إدارة القطاع بشكل موحد، إلى جانب انسحاب إسرائيلي كامل.
غير أن أصواتاً فلسطينية أعربت عن مخاوف من أن النقاش الدائر يتجاهل السياق الأوسع. فقد حذر الناشط الفلسطيني مصطفى البرغوثي من أن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يقوض عملياً فرص تطبيق حل الدولتين، معتبراً أن أي ترتيبات لإعادة إعمار غزة لن تكون ذات جدوى إذا استمر تآكل الأسس السياسية للحل النهائي.
أبعاد الخلاف وتداعياته
يعكس الخلاف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تبايناً في الرؤى حول آليات إدارة النزاعات، ودور الأمم المتحدة، وطبيعة الشراكة مع الفلسطينيين في صياغة مستقبلهم السياسي. فبينما تركز واشنطن على سرعة التنفيذ وكسر الجمود الأمني، تتمسك بروكسل بضرورة الالتزام بالتفويض الدولي وضمان المساءلة والمشاركة الفلسطينية.
ومع اقتراب اجتماع «مجلس السلام» في واشنطن، تبدو الساحة الدبلوماسية مرشحة لمزيد من التوتر، خاصة في ظل هشاشة وقف إطلاق النار، واستمرار الخلافات حول نزع السلاح، والانسحاب العسكري، وآليات إعادة الإعمار.