في فجرٍ شتوي من فبراير، قبل أن تتفتح أسواق الزقازيق على نداءات الباعة، كان طفلٌ يلتقط من الهواء ما لا يُرى إيقاع الحياة، لم يكن يدري أن تلك النداءات التي تتصاعد من عربات الفاكهة، وذلك الشجن العابر في حكايات الناس، ستتحول يومًا إلى أغنيات تبكيها القلوب وترددها الملايين، كان اسمه مرسي جميل عزيز، وكان قدره أن يكتب الحب كما لو كان يكتشفه لأول مرة، وأن يمنح الكلمات عمرًا أطول من أعمارنا، إنه الشاعر الكبير مرسي جيمل عزيز، الذي تحل اليوم ذكرى ميلاده.
لم يكن مرسي جميل عزيز، شاعرًا يطارد البلاغة في أبراجها العالية، بل كان يهبط بها إلى الشارع، إلى المقهى، إلى قلب العاشق البسيط، كتب كأن اللغة خبزه اليومي، وكأن القصيدة نداءٌ آخر من نداءات السوق، لكنه هذه المرة نداءٌ للروح، وحين غنت كلماته أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز، لم تكن الأغنية مجرد لحنٍ عابر، بل كانت سيرة جيلٍ كامل يتعلم كيف يحب، وكيف ينتظر، وكيف يقول «من غير ليه»، وفي ذكرى ميلاده، لا نحتفي بسيرة شاعرٍ كتب أكثر من ألف أغنية فحسب، بل نستعيد زمنًا كانت فيه الكلمة تُولد من الحياة نفسها، وتعود إليها أجمل مما خرجت.
كتب مرسي جميل عزيز، نبض جيلٍ كامل، فكان صوته يخرج من حارات الزقازيق، ثم يتسلل إلى ميكروفون الإذاعة، قبل أن يستقر في حناجر عمالقة الغناء العربي، ورحل في 9 فبراير 1980، تاركًا وراءه أكثر من ألف أغنية وقصيدة، جعلته يستحق عن جدارة لقب «شاعر الألف أغنية».
من نداءات الباعة إلى قصائد الطرب
في مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، نشأ الفتى في بيت تاجر فاكهة، كان والده يعمل في السوق، ولم يكن يتخيل أن نداءات البيع التي تتردد في الشوارع ستتحول لاحقًا إلى موسيقى داخل وجدان ابنه، حفظ مرسي الصغير آيات من القرآن الكريم، واستظهر المعلقات السبع، وقرأ مبكرًا للشاعر بيرم التونسي، فتشكلت لديه حساسية لغوية تجمع بين الفصحى والدارجة، بين التراث ونبض الشارع.
بدأ حياته المهنية تاجرًا للفاكهة مثل والده، لكنه كان يلتقط من السوق ما هو أبعد من الرزق: كان يلتقط الإيقاع، تلك القدرة على تحويل الحياة اليومية إلى شعر ستصبح لاحقًا سرّ تفرده.
البدايات.. الفراشة التي حلّقت مبكرًا
كتب أول قصيدة في الثانية عشرة من عمره، يرثي فيها أستاذه، وفي عام 1939، لم يتجاوز الثامنة عشرة حين أذيعت له أول أغنية بعنوان «الفراشة»، لحنها الموسيقار رياض السنباطي، كانت تلك اللحظة بمثابة إعلان ميلاد شاعر جديد في سماء الغناء.
وفي العام نفسه، كتب «يا مزوق يا ورد في عود» وغناها عبد العزيز محمود، فانطلقت شهرته سريعًا، وبات اسمه يتردد في أروقة الإذاعة المصرية.
بين الحقوق والسينما.. شاعر يدرس حرفه
حصل على البكالوريا من مدرسة الزقازيق الثانوية عام 1940، ثم التحق بكلية الحقوق، حيث انخرط في جماعات الشعر والآداب والموسيقى والتمثيل. لكنه لم يكتفِ بموهبته الفطرية؛ درس اللغة العربية وآدابها، واطلع على الأدب العالمي ونظرياته النقدية، ثم التحق بمعهد السينما، وكان الأول على دفعته، ونال دبلوم كتابة السيناريو عام 1963.
كان يؤمن أن الموهبة تحتاج إلى صقل، وأن الشاعر الحقيقي لا يتوقف عن التعلم.
مع أم كلثوم.. ثلاثية الخلود
حين تغني أم كلثوم كلمات شاعر، يصبح النص جزءًا من الذاكرة الجمعية، كتب لها مرسي جميل عزيز ثلاثية خالدة لحنها بليغ حمدي، «سيرة الحب»، و«فات الميعاد»، و«ألف ليلة وليلة»، كانت تلك الأغنيات ذروة نضجه الشعري؛ لغة بسيطة لكنها مشحونة بالشجن، صور تتكئ على الحكي الشعبي، ومفردات قريبة من القلب، وفي «سيرة الحب» مثلًا، استطاع أن يحوّل قصة عاطفية إلى ملحمة وجدانية تتجاوز حدود الفرد.
عبد الحليم.. الصداقة والإبداع
أما مع عبد الحليم حافظ، فكانت العلاقة أعمق من تعاون فني، كتب له نحو 35 أغنية، من بينها «مالك ومالي يا أبو قلب خالي»، و«نعم يا حبيبي»، و«في يوم في شهر في سنة»، كان مرسي يفهم طبقات صوت حليم، ويكتب بما يناسب إحساسه، حتى بدا وكأن الكلمات خُلقت لتُغنّى بصوته.
ويُروى أن بعض الأغنيات كانت تُكتب على مقاس لحظة نفسية يمر بها حليم، فيأتي النص معبرًا عن حالته الخاصة، وهو ما منحها صدقًا استثنائيًا.
«من غير ليه».. الأغنية التي تأخرت
من أشهر حكاياته الفنية تعاونه مع محمد عبد الوهاب في «من غير ليه»، استمر العمل على الأغنية قرابة عامين بسبب خلافات حول بعض الكلمات، وكان من المقرر أن يغنيها عبد الحليم، لكن وفاته حالت دون ذلك، فغناها عبد الوهاب عام 1989، بعد رحيل مرسي بسنوات، وكأن الأغنية انتظرت زمنها الخاص لتولد.
فيروز.. القصيدة العابرة للحدود
يبقى مرسي جميل عزيز الشاعر المصري المعاصر الوحيد الذي غنت له فيروز قصيدته «سوف أحيا»، سُجلت الأغنية في استوديوهات الإذاعة المصرية أثناء زيارة فيروز والأخوين رحباني إلى القاهرة، وأصبحت واحدة من العلامات الفارقة في أرشيف الإذاعة.
صانع النجوم.. ورفيق السينما
كان أول من آمن بموهبة فايزة أحمد وقدّمها للإذاعة المصرية، فكتب لها «تمر حنة» و«ليه يا قلبي ليه» وغيرها، كما تعاون مع محرم فؤاد في فيلم «حسن ونعيمة» أمام سعاد حسني، وكتب لـ شادية أغنيات «الزوجة 13» ومنها «على عش الحب»، ألّف أغاني لـ25 فيلمًا، من «مبروك عليكي» (1949) إلى «مولد يا دنيا» (1976)، وتنوعت كتاباته بين التفاؤل والتأمل والحزن الإنساني، فضلًا عن الأغاني الوطنية مثل «بلدي يا بلدي».
شاعر الألف أغنية
وصل إنتاجه إلى أكثر من ألف أغنية وقصيدة، إلى جانب الأوبريتات والسيناريوهات والمقالات الأدبية، حتى اعتبره النقاد ظاهرة فنية متكاملة، وفي عام 1965، كرّمه الرئيس جمال عبد الناصر بوسام الجمهورية للآداب والفنون.
الرحيل.. والعودة إلى التراب الأول
في 9 فبراير 1980، وبعد رحلة علاج في الولايات المتحدة، عاد مرسي جميل عزيز ليموت فوق تراب مصر، ويُدفن في مسقط رأسه بالزقازيق، وهنا نستطيع القول: رحل الجسد، لكن الكلمات بقيت؛ تُغنّى في الحفلات، وتُبث في الإذاعات، وتُستعاد كلما أراد العاشقون أن يقولوا ما تعجز عنه اللغة العادية.
