قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

ضربة دستورية لرسوم ترامب الجمركية| المحكمة العليا الأمريكية تُسقط سلاح الطوارئ وتفتح الباب لمواجهة اقتصادية جديدة

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في خطوة قضائية وصفت بأنها فاصلة في مسار الحرب التجارية الأمريكية، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمًا برفض الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية، لتضع بذلك حدًا لأحد أكثر أدواته إثارة للجدل في إدارة السياسة الاقتصادية والخارجية للولايات المتحدة.

القرار لم يكن مجرد خلاف قانوني عابر، بل لحظة مفصلية تحمل أبعادًا دستورية واقتصادية وسياسية تتجاوز حدود واشنطن إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

صراع السلطات.. بين البيت الأبيض والكونغرس

ينص الدستور الأمريكي بوضوح على أن سلطة فرض الضرائب والرسوم الجمركية تعود إلى الكونغرس الأمريكي، وليس إلى الرئيس. غير أن ترامب، في ولايته الرئاسية الثانية، لجأ إلى “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” كغطاء قانوني لفرض رسوم جمركية واسعة النطاق على غالبية شركاء الولايات المتحدة التجاريين، دون العودة إلى الكونغرس.

هذا القانون، الذي استُخدم تاريخيًا لفرض عقوبات اقتصادية أو تجميد أصول خصوم الولايات المتحدة، لم يتضمن نصًا صريحًا يجيز فرض رسوم جمركية. إلا أن وزارة العدل في عهد ترامب فسّرت عبارة “تنظيم التجارة” الواردة فيه باعتبارها تمنح الرئيس صلاحية فرض رسوم في حالات الطوارئ الوطنية.

لكن المحكمة العليا كان لها رأي مغاير، معتبرة أن هذا التفسير يتجاوز حدود التفويض الدستوري، وأن توسيع سلطة الرئيس بهذا الشكل يمسّ جوهر التوازن بين السلطات.

175 مليار دولار على المحك

الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب لم تكن رمزية. فقد شكّلت ركيزة أساسية في حرب تجارية عالمية بدأها منذ عودته إلى البيت الأبيض، وأثرت على الأسواق المالية وأربكت سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم أن الإدارة الأمريكية لم تنشر بيانات رسمية عن حجم التحصيل منذ منتصف ديسمبر، فإن تقديرات “نموذج بن-وارتون للموازنة” أشارت إلى أن ما جُمع بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية تجاوز 175 مليار دولار.

ومع صدور حكم المحكمة العليا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ستضطر الحكومة الأمريكية إلى رد هذه المبالغ؟ الاحتمال قائم بقوة، ما يفتح الباب أمام تعقيدات مالية وقانونية قد تمتد لسنوات.

وفي سياق أوسع، قدّر مكتب الموازنة في الكونغرس أن إجمالي الرسوم الجمركية الحالية، بما فيها تلك المفروضة بموجب قانون الطوارئ، كان من الممكن أن يدر نحو 300 مليار دولار سنويًا على مدى العقد المقبل إذا استمرت.

سلاح اقتصادي تحوّل إلى أداة ضغط سياسي

بالنسبة لترامب، لم تكن الرسوم الجمركية مجرد وسيلة لزيادة الإيرادات، بل أداة نفوذ سياسي ودبلوماسي. فقد منحته القدرة على فرض رسوم فورية تحت مظلة “حالة طوارئ وطنية” قوة تفاوضية دفعت العديد من قادة العالم إلى التوجه إلى واشنطن لإبرام اتفاقيات تجارية جديدة.

كثير من تلك الاتفاقيات تضمّن تعهدات باستثمارات بمليارات الدولارات داخل الولايات المتحدة، أو تسهيلات إضافية للشركات الأمريكية في الأسواق الأجنبية.

غير أن هذا النهج أثار أيضًا موجة استياء بين حلفاء تقليديين لواشنطن، الذين اعتبروا أن استخدام الرسوم الجمركية كسلاح تفاوضي يقوّض قواعد التجارة الدولية ويضعف الثقة في الشراكات الاستراتيجية.

بدائل قانونية على الطاولة

بعد جلسات المرافعة التي عُقدت في نوفمبر، ألمح ترامب إلى أنه يدرس “خطة بديلة” في حال صدور حكم ضده. وبالفعل، وصف القرار فور صدوره بأنه “وصمة عار”، معتبرًا أنه يعرقل جهوده لإعادة صياغة النظام التجاري العالمي بما يخدم المصالح الأمريكية.

من جهته، أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت ومسؤولون آخرون أن الإدارة ستبحث عن مسارات قانونية أخرى للإبقاء على أكبر قدر ممكن من الرسوم.

من بين هذه المسارات، بنود قانونية تسمح بفرض رسوم على واردات تهدد الأمن القومي الأمريكي، أو اتخاذ إجراءات انتقامية ضد شركاء تجاريين يُقرّر مكتب الممثل التجاري الأمريكي أنهم مارسوا ممارسات غير عادلة.

إلا أن خبراء قانونيين يرون أن هذه البدائل، رغم أهميتها، لا تمنح الرئيس نفس المرونة والسرعة التي وفرها قانون الطوارئ الاقتصادية، ما قد يجعل إعادة فرض الرسوم على نطاق واسع أمرًا أكثر تعقيدًا.

ردود فعل دولية حذرة

على الساحة الدولية، سادت حالة من الترقب. فقد أعلنت منظمة التجارة العالمية أنها لن تعلّق على الحكم القضائي الصادر في الولايات المتحدة، مكتفية بمراقبة التطورات.

أما الاتحاد الأوروبي، فأكد أنه يجري اتصالات مع الإدارة الأمريكية لاستيضاح موقفها، خاصة في ظل التغيرات القانونية التي قد تعيد رسم ملامح العلاقات التجارية عبر الأطلسي.

وفي كندا، رحبت الحكومة بالحكم، معتبرة أنه يعزز موقف أوتاوا في النزاع التجاري مع واشنطن ويدعم وجهة نظرها القانونية في هذا الملف.

هذه الردود تعكس إدراكًا عالميًا بأن القرار الأمريكي لا يقتصر تأثيره على الداخل، بل يمتد إلى شبكة معقدة من الاتفاقيات والأسواق والتحالفات.

أبعاد دستورية تتجاوز الاقتصاد

بعيدًا عن الأرقام والرسوم، يحمل الحكم بعدًا دستوريًا عميقًا. فهو يعيد التأكيد على مبدأ الفصل بين السلطات، ويضع حدودًا واضحة لاستخدام القوانين الاستثنائية في غير سياقها التقليدي.

لقد أصبح ترامب أول رئيس يستخدم قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لفرض رسوم جمركية، ضمن سلسلة من الخطوات التي هدفت إلى توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، سواء في ملف الهجرة أو إقالة مسؤولين اتحاديين أو نشر قوات عسكرية داخل البلاد.

وبهذا المعنى، يُنظر إلى قرار المحكمة العليا باعتباره رسالة واضحة بأن توسيع الصلاحيات التنفيذية له سقف دستوري لا يمكن تجاوزه.

مستقبل الحرب التجارية

يبقى السؤال المطروح.. هل يمثل هذا الحكم نهاية الحرب التجارية التي قادها ترامب، أم مجرد فصل جديد منها؟

المرجح أن الإدارة الأمريكية ستسعى إلى إعادة صياغة استراتيجيتها التجارية، مستندة إلى أدوات قانونية أخرى، لكن بوتيرة أبطأ ونطاق أضيق. وفي المقابل، قد تجد الدول المتضررة فرصة لإعادة التفاوض من موقع أقوى.

الأسواق المالية، التي عانت من تقلبات حادة خلال فترات التصعيد، قد تستقبل القرار بشيء من الارتياح، غير أن حالة الضبابية لن تزول سريعًا في ظل الحديث عن بدائل محتملة لم تُكشف تفاصيلها بعد.

لحظة مراجعة كبرى

قرار المحكمة العليا الأمريكية ليس مجرد حكم قانوني، بل محطة مراجعة كبرى في مسار السياسة الاقتصادية الأمريكية. إنه يعيد رسم الحدود بين السلطات، ويطرح تساؤلات حول مستقبل أدوات الضغط التجاري في عالم مترابط اقتصاديًا.

بين من يراه انتصارًا للدستور، ومن يعتبره عرقلة لنهج حمائي يهدف إلى حماية الاقتصاد الأمريكي، يبقى المؤكد أن العالم يراقب.

فالرسوم الجمركية التي وُلدت تحت شعار الطوارئ، انتهت بحكم قضائي أعاد النقاش إلى جذوره الدستورية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تكون أقل صخبًا، لكنها بالتأكيد أكثر تعقيدًا في معادلات السياسة والاقتصاد.