لم يكن الإعلان عن مقتل نيميسيو روبين أوسيجيرا سيرفانتس، المعروف بلقب “إل مينشو”، مجرد خبر أمني عابر في نشرات المساء، بل كان شرارة أشعلت موجة من التوتر والاضطراب في عدة ولايات مكسيكية خلال ساعات قليلة. الرجل الذي قاد واحدة من أخطر وأقوى عصابات المخدرات في البلاد لسنوات طويلة، سقط في عملية عسكرية معقدة، لكن تداعيات مقتله كشفت أن المعركة لم تنتهِ بعد.
في أعقاب العملية، سادت حالة من الهدوء الحذر بعد ساعات عصيبة اتسمت بإغلاق طرق رئيسية، وإحراق مركبات، وانتشار مسلحين في مشاهد بدت أقرب إلى استعراض قوة ورسالة تحدٍ للدولة. وبينما حاولت السلطات احتواء الموقف سريعًا، كان واضحًا أن المكسيك دخلت مرحلة جديدة في حربها المفتوحة ضد كارتلات المخدرات.
عملية عسكرية دقيقة في قلب جاليسكو
وفق بيان وزارة الدفاع المكسيكية، نُفذت العملية في مدينة تابالبا بولاية جاليسكو، المعقل الرئيسي لعصابة “خاليسكو الجيل الجديد”. وأشارت المعلومات الرسمية إلى أن القوات رصدت تحركات مشبوهة، أعقبها اشتباك مسلح أثناء محاولة اعتقال أوسيجيرا سيرفانتس.
خلال المواجهات، قُتل أربعة مسلحين في موقع العملية، وأصيب ثلاثة آخرون، من بينهم “إل مينشو”، الذي توفي لاحقًا أثناء نقله جوًا إلى مكسيكو سيتي. كما تم اعتقال شخصين، ومصادرة مركبات مدرعة وقاذفات صواريخ وأسلحة ثقيلة، في مؤشر واضح على حجم التسليح الذي كانت تمتلكه الشبكة.
العملية لم تمر دون خسائر في صفوف القوات المسلحة، إذ أُصيب ثلاثة جنود ويتلقون العلاج، ما يعكس شراسة الاشتباك وتعقيد المهمة.
رد انتقامي سريع.. النيران تغلق الطرق
لم تمضِ ساعات على إعلان مقتله حتى اندلعت أعمال عنف واسعة في جاليسكو وولايات أخرى. تكتيك إحراق المركبات وإغلاق الطرق السريعة ظهر مجددًا، وهو أسلوب اعتادت العصابات استخدامه لعرقلة تحركات الجيش وإرباك المشهد الأمني.
مقاطع مصورة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت أعمدة دخان كثيفة تتصاعد في سماء بويرتو فالارتا، فيما أُغلقت طرق استراتيجية في مناطق متفرقة. الرسالة بدت واضحة: العصابة ما زالت قادرة على التحرك، وغياب الزعيم لا يعني انهيار البنية التنظيمية فورًا.
ورغم حدة المشهد، أكدت السلطات أن الوضع أُعيدت السيطرة عليه تدريجيًا، وأن الانتشار الأمني المكثف ساهم في احتواء التحركات المسلحة خلال ساعات.
تحذير أمريكي عاجل.. “الاحتماء في أماكنكم”
في تطور لافت، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تنبيهًا أمنيًا عبر مكتب الشؤون القنصلية، دعت فيه المواطنين الأمريكيين في عدة ولايات مكسيكية إلى “الاحتماء في أماكنهم حتى إشعار آخر”.
وشمل التحذير ولاية جاليسكو (بما فيها بويرتو فالارتا، تشابالا، وجوادالاخارا)، إضافة إلى تاماوليباس وميتشواكان وغيريرو ونويفو ليون. وجاء في البيان أن العمليات الأمنية الجارية وإغلاق الطرق والأنشطة الإجرامية قد تشكل خطرًا مباشرًا على المدنيين.
التحرك الأمريكي السريع يعكس حجم القلق من تداعيات مقتل رجل كانت واشنطن تضعه على رأس قائمة المطلوبين، بعدما عرضت مكافأة تصل إلى 15 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله.
عصابة “خاليسكو الجيل الجديد”.. صعود دموي سريع
تُعد عصابة خاليسكو الجيل الجديد واحدة من أسرع المنظمات الإجرامية نموًا منذ نشأتها عام 2009. خلال سنوات قليلة، تمكنت من توسيع نفوذها داخليًا وخارجيًا، وأصبحت لاعبًا رئيسيًا في تهريب الفنتانيل ومخدرات أخرى إلى الولايات المتحدة.
وفي فبراير الماضي، صنفت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب العصابة كمنظمة إرهابية أجنبية، في خطوة عكست تحولًا في طريقة التعاطي مع الكارتلات، باعتبارها تهديدًا عابرًا للحدود يتجاوز كونه نشاطًا إجراميًا تقليديًا.
دور أمريكي في العملية؟
في هذا السياق، قال اللواء أركان حرب سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن الولايات المتحدة كان لها دور مؤثر في تحديد مكان “إل مينشو” بدقة، مشيرًا إلى أن المعلومات الاستخباراتية الدقيقة هي أساس أي قرار عسكري ناجح.
وأوضح أن واشنطن لديها مصلحة مباشرة في إنهاء نشاط الرجل، باعتباره أحد أكبر موردي المخدرات إلى السوق الأمريكية، خاصة مع الحدود الطويلة والمفتوحة نسبيًا بين البلدين. وأضاف أن الإدارة الأمريكية تسعى لإثبات موقفها الصارم تجاه تجارة المخدرات، لا سيما في ظل الأزمات المتفاقمة بين الشباب الأمريكي بسبب انتشار المواد المخدرة.
ضربة قبل كأس العالم؟
وربط فرج بين توقيت العملية واقتراب استضافة كأس العالم، معتبرًا أن تحقيق استقرار أمني في المكسيك يمثل أولوية سياسية وأمنية. فالمكسيك تُعد شريكًا رئيسيًا في تنظيم البطولة، وأي انفلات أمني قد ينعكس سلبًا على صورتها الدولية.
وأكد أن القضاء على شخصية بحجم “إل مينشو”، الذي وصفه بأنه “أكبر موزع ومورد ومنظم ومصنّع”، يحمل رسالة مزدوجة.. أولًا تهدئة الأوضاع قبل الحدث العالمي، وثانيًا توجيه رسالة للعالم بأن الحرب على المخدرات مستمرة بلا تهاون.
هل هناك انفلات أمني؟
ورغم المشاهد العنيفة، شدد فرج على أن الوضع لا يمكن وصفه بانفلات أمني شامل، موضحًا أن أي تحركات انتقامية سيتم احتواؤها سريعًا، وأن الدولة المكسيكية قادرة على إعادة السيطرة.
وأشار إلى أن تجارة المخدرات تمثل تهديدًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، خاصة في الولايات الحدودية مثل تكساس، حيث تتفاقم أزمة الإدمان، ما يجعل ملف المخدرات أولوية قصوى في السياسة الأمريكية داخليًا وخارجيًا.
نهاية زعيم.. وبداية مرحلة جديدة
مقتل “إل مينشو” ليس مجرد نهاية لاسم بارز في عالم الجريمة المنظمة، بل محطة مفصلية في صراع ممتد بين الدولة المكسيكية وكارتلات المخدرات. العملية كشفت حجم التعقيد الأمني، وأظهرت في الوقت نفسه قدرة الدولة على الوصول إلى أخطر المطلوبين.
لكن الهدوء الحذر الذي يخيم الآن على بعض الولايات المكسيكية لا يعني أن الطريق أصبح ممهدًا. فالحرب على المخدرات، بما تحمله من أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية، لا تُحسم بضربة واحدة.